مصطفى كركوتي
انها حرب الإرهاب المفتوحة على الجميع تلك التي يشنها «الإسلام» المتطرف بأشكال صادمة في بشاعتها، أكان في الدنمارك أو ليبيا أو فرنسا أو كندا أو سورية والعراق أو حتى أستراليا. فهذه الجرائم تستنسخ وحشيتها من مكان إلى آخر، وما هو متوافر من معلومات يشير إلى أن مرتكب جريمة كوبنهاغن نسخة دنماركية عن مرتكبي جريمتي باريس والجرائم الأخرى: شاب يائس له سوابق، تعرض في السجن لعملية غسل دماغ جعلته يعتقد أن تحوله «مقاتلاً في سبيل الله» عمل بطولي يعطيه مكانة مرموقة بين أقرانه. هذا النوع من الشباب لا يختلف كثيراً عمن ارتكبوا جريمة ليبيا بذبح 21 شخصاً من عمال مصر الأقباط، ولا عن أصحاب جريمة حرق 45 عراقياً من الطائفة الشيعية، ولا عن عشرات الآلاف من مسلمي أوروبا الناذرين أنفسهم لهذه الحرب «المقدسة» في «أرض الرسل والأنبياء»، كما تقول بعض أدبيات تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام» (داعش).
فقد بات «إسلام أوروبا» أو «أسلمة أوروبا» كما تسميها هذه الأدبيات منذ ظهور هذه الجرائم على رادار الأحداث، مسألة تتعدى مناقشتها المنابر السياسية أو البحثية الأكاديمية أو الثقافية، بل اتسعت إلى فضاءات فنية، بعيدة من السياسة، تعبيراً عن قلق سائد يتسع ويتعمق وسط فئات مختلفة من المجتمع الأوروبي. مهرجان برلين الدولي للسينما (برلينالي) الـ65 خصّ جمهوره في الأسبوع الفائت بندوة نقاشية حول الموضوع، إذ بان كيف أن ثمة مخاوف من تبعات هذه الأحداث على ركائز التفكير الحر في أوروبا. للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية أصبحت أوروبا تواجه، بسرعة تراكمية غير مسبوقة، جملة تحديات تبحث عن إجابات وحلول لقضية التطرف الديني في بيئة من سماتها الرئيسية التسامح وحرية التعبير. ألمانيا مثلاً، ذات الماضي النازي البغيض، تقف في صدارة الدول الأوروبية في مواجهة هذه التحديات المهددة لاستقرارها ونسيجها الاجتماعي في ضوء تصاعد مشاعر اليمين المتطرف عقب أحداث باريس وكوبنهاغن.
وفي الواقع، كانت هذه المشاعر قائمة في كثير من عواصم أوروبا ومدنها حتى ما قبل تلك الأحداث، لا سيما هولندا وبلجيكا وبلدان إسكندنافيا فضلاً طبعاً عن فرنسا وألمانيا، ولكنها تطرح الآن أسئلة مختلفة تلامس أثر التطرف على نسيج هذه المجتمعات.
فالهجمات ضد جاليات من أصول عربية ومسلمة لم تعد موجهة ضد الوافدين الجدد، بل هي موجهة أيضاً ضد المهاجرين القدامى وأبنائهم الذين ولدوا واستقروا في أوطانهم الجديدة منذ عقود. فالمرء يستمع لروايات عدد من هؤلاء المهاجرين أو من أبنائهم تتحدث عن أن بعضهم لا يزال يتلقى رسائل هاتفية تذكِّرهم بالمصير الأسود، على غرار «المسلم الجيد هو المسلم الميت» أو «نحن بانتظارك، دورك آتٍ». وهذا الواقع، مهما كان موجعاً، يجب ألا يكون غريباً عن المهاجرين في ألمانيا خصوصاً، إذ هي ثاني أكبر جهة مرغوبة للهجرة بعد الولايات المتحدة. ولا شك في أن هذا يضع نسيج ألمانيا المجتمعي وعدداً آخر من الدول الأوروبية أمام اختبار مستمر، كما حصل في كانون الأول (ديسمبر) الماضي في مدينة درسدين التي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية سابقاً ولا يكاد يوجد فيها مهاجرون، بخروج تظاهرة احتجاجية كبيرة ضد الهجرة، نظّمها تجمع جديد أطلق على نفسه بالألمانية اسم «الوطنيون الأوروبيون ضد أسلمة الغرب» (بيغيدا)، نيابة عن الغرب وليس أوروبا أو ألمانيا فحسب. وقد أثار هذا الخروج تظاهرة احتجاجية مضادة نظمتها الأحزاب الرئيسية في ألمانيا، دافعت عن التسامح والتنوع كما ألقت المستشارة الألمانية أنغيلا مركيل خطاباً كشفت فيه عن خطر هذا التيار اليميني على المجتمع الأوروبي والألماني ووصفت دعاته بأصحاب «القلوب الباردة المليئة بالكراهية». كما قامت شخصيات ألمانية بارزة بنشر رسالة احتجاجية في جريدة «بيلد» ضد اليمين الصاعد في ألمانيا، بينهم المستشار السابق هيلموت شمدت ولاعب كرة القدم المتقاعد أوليفر بيرهوف.
اللافت للانتباه في الأحداث الأخيرة أنها تحمل في طياتها احتمالات غامضة وقلقة على مستقبل السلم الأهلي في أوروبا. ففي ألمانيا مثلاً، ومنذ أفول الحكم النازي، يتصدر السياسيون الألمان الصف الأول بين المسؤولين الأوروبيين في معارضة اليمين والتطرف ودعم التسامح والتنوع عندما تُطرح مسألة الهجرة والمهاجرين. ولكن في المقابل، فانتشار العنف وتكرار الهجمات الإرهابية في أوروبا أو خارجها يقدم للأفراد والمنظمات والأحزاب العنصرية في دولها الحوافز الكافية لتوسيع مدى الاعتداء وحجمه على المهاجرين في مجتمعات تشكل العنصرية بعضاً من سماتها، حتى قبل جرائم أوروبا الأخيرة. فثمة دراسة حديثة في أوروبا أظهرت أن 57 في المئة من الألمان غير المسلمين يعتبرون الإسلام مصدر تهديد لهم.
هناك حقائق على الأرض لا يمكن تجاهلها ناجمة عن الكم المتزايد للمهاجرين إلى ألمانيا، إذ ارتفع عدد طالبي اللجوء من 127000 نسمة عام 2013، إلى 180000 عام 2014. ومعروف أن الجالية التركية وحدها تشكل أكبر تجمع مهاجر بعدد يزيد عن ثلاثة ملايين، الغالبية العظمى منهم من المسلمين الذين يعيشون منذ أجيال في ألمانيا التي باتت وطناً آخر لأسرهم. إلا أن الوافدين الجدد من سورية والعراق يضيفون أعداداً كبيرة وعبئاً أكبر إلى المهاجرين الموجودين أصلاً وطالبي اللجوء الجدد من مهاجري الشيشان وأفغانستان. ووفقاً لأرقام المفوضية الأوروبية، تقدم نحو 435760 مهاجراً بطلبات لجوء إلى الاتحاد الأوروبي في 2013، أي بزيادة 30 في المئة عن طلبات 2012، وكانت حصة ألمانيا من هذا المجموع هي الأكبر فبلغت ربع إجمالي المهاجرين الذين كانت غالبيتهم من سورية المدمرة. وهذا جانب واحد من المشكلة إذ الجانب الآخر، وهو في هذه الحالة المهاجرون قدامى كانوا أو جدداً، غائب عن المشهد، لا يُسمع صوتٌ لهم في المناقشة الدائرة حول الإرهاب والتشكيلات الديموغرافية الجديدة إذ يخشَوْن، وبعضهم يقاوم، اختبارات الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة ويفضلون التقوقع. فغياب أصوات الأقليات العرقية في المناقشة يثير شكوكاً كان يمكن تبديدها، إلا أنها خطيرة، بين الأوروبيين.

التعليقات معطلة