ماك مارجوليس
اقتصاد الأرجنتين يعاني الأمرّين من الديون، ومعدلات التأييد للرئيسة كريستينا فرنانديز في أدنى مستوياتها، وصراع البلاد مع حملة الأسهم يزداد سوءاً، ولا يزدهر في البلاد إلا صناعة الدسائس. فبعد شهرين من العثور على ممثل الادعاء المعارض البرتو نيسمان على أرضية الحمام مصاباً بطلقة في رأسه، لا أحد يعرف ما حدث، أو بالأحرى فالجميع يعرفون. ولا يمر يوم دون ظهور نظرية جديدة حول الغياب الغامض للمحقق الخاص في تفجير المركز اليهودي في بيونس أيريس عام 1994 في حادثة أثارت عملية تحقيق معقدة وضعت نيسمان في تصادم مع الرئاسة الأرجنتينية. وكل نظرية عن وفاته تصاحبها قائمة أولويات. وأشار التشريح الرسمي إلى وفاة «دون مساعدة»، وهو موقف أيدته وكالة الأنباء الحكومية التي زعمت أن نيسمان كان مخموراً، لكنها تراجعت عن هذه القصة. أما القاضية ساندرا آرويو سالجادو، أرملة نيسمان، فتعتقد أنه قتل «جاثماً على ركبة واحدة»، وتكاد تتهم فني الكمبيوتر السابق لنيسمان، المدعو دييجو لاجومارسينو. لكن هذا الأخير نفى إطلاقه النار على نيسمان.
وأكدت الرئيسة فرنانديز أن نيسمان انتحر، وبعد فترة قصيرة تراجعت لتشير إلى أنه ربما قُتل بيد لاجومارسينو للإيحاء بأنها الفاعل.
ومؤخراً قدمت مجلة «فيجا» الإخبارية البرازيلية قصة اعتمدت على روايات لوزراء فنزويليين تحدثوا عن قدوم الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد إلى كاراكاس عام 2007، حاملا معه أموالا ليقدمها إلى مسؤولين أرجنتينيين مقابل تعهدهم بالتوقف عن تعقب خمسة إيرانيين مشتبه بضلوعهم في تفجير المركز اليهودي. وكان من أهداف الزيارة الحصول على الخبرة التكنولوجية لمساعدة إيران في برنامجها النووي.
ومؤخراً عبّر ثلثا الأرجنتينيين عن جهلهم بما حدث لنيسمان، رغم أن استطلاعات رأي سابقة أشارت إلى أن غالبيتهم يعتقدون أنه قتل. وبدلا من فك لغز نيسمان، غذت القصص المختلفة عن وفاته الخصومات الشرسة في البلاد، لتحول لغز التشريح الطبي إلى قفص قتال مروع. وحسب «سبق صحفي» لمدير مكتب الرئاسة الأرجنتينية انيبال فرنانديز، فإن نيسمان أنفق أموال الدولة دون قيد على «عاهرات بارزات». وأعلن فرنانديز للصحفيين: «إننا وسط كثير من الأنذال بينهم نيسمان».
وحملت موجة وفاة نيسمان معها أجانب أيضاً؛ فإسرائيل تستغل قضية المركز اليهودي لانتقاد إيران بشدة. وهناك مخرج أفلام فنزويلي ينتج فيلماً عن قصة نيسمان أعلن أنه تلقى تهديدات. وحتى الملياردير بول سينجر الذي يخوض حرباً قضائية مع الأرجنتين، انضم إلى الجوقة متبرعاً بأموال لمركز بحثي في واشنطن باسم ممثل الادعاء الراحل.
ويعتقد المؤرخ الأرجنتيني فريدريكو فينشلشتاين أن الخلاف بشأن قضية نيسمان يعود تاريخياً إلى النمط الشعبوي للزعيم السابق خوان دومينجو بيرون. وعلى خلاف الشافيزية التي استولت على المؤسسات الديمقراطية، لم تتردد الرئاسة الأرجنتينية قط في اللجوء للمحاكم والبرلمان لترويع الخصوم.
وظل مكتب الإحصاء القومي بوقاً للحكومة تذيع عبره أرقاماً مشرقة عن النمو والتشغيل. والبرلمان الذي يهيمين عليه البيرونيون، يوافق تلقائياً، بمباركة من المحكمة العليا، على قوانين فرنانديز الهادفة لإخراس وسائل الإعلام التي تنتقدها. وهذا «الخلط في السلطات»، وفقاً لفينشلشتاين، يولد الحرارة، لكن القليل من الضوء للكشف عن قضية نيسمان. 
وهكذا يصبح الرجل الذي حاول حل أحد أكبر ألغاز الأرجنتين هو نفسه لغزاً.

التعليقات معطلة