صادق كاظم
عانى اليمن ولا يزال يعاني من تأثير سعودي هائل على وضعه الداخلي يحاول ان يجذبه وبقوة الى فضائه السياسي حارما اياه من اية فرصة لترتيب وضعه الإقليمي والداخلي بعيدا عن التأثيرات والضغوط وهو ما يفسر بقاء اليمن ومنذ بداية القرن الماضي بلدا فقيرا وغير مستقر يعاني من تذبذب سياساته وعلاقات حكامه مع مكونات شعبه التي ظلت اوضاعها تتسم بالعزلة والقطيعة والاضطرابات.
كانت المصلحة السعودية تكمن في بقاء اليمن على وضعه الهش فقرا وضعفا وقبلية مزمنة لا تتزحزح، وهي ستراتيجية ظلت السعودية تحافظ عليها كمبدأ ثابت لتتعامل مع اليمن بوصفه حديقة خلفية لها، حيث رسخت لها نفوذا واضحا عبر شراء ولاءات زعماء القبائل الكبار واصحاب النفوذ الذين يضمنون للرياض مصالحها في اليمن.
كان صعود الحوثيين وتصاعد العداء بين طهران والرياض واحد من الاسباب التي دفعت بالسعودية لكي تتمسك بمعارضة اية اصلاحات قد تمنح الحوثيين نفوذا سياسيا في صنعاء واهم من ذلك انها كانت تخشى من اقتراب ايران والحوثيين من حدودها الجنوبية.
كانت السياسة السعودية المتشددة ازاء الحوثيين ورفضهم اجراء اصلاحات تمنح الحوثيين حقوقهم تعد من الاسباب التي ادت الى تهاوي نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح اثر موجة احتجاجات ضخمة شهدتها العاصمة صنعاء وبتنسيق بين الكتل والاحزاب السياسية على ضرورة تنحي صالح وتأسيس نظام حكم اكثر انفتاحا وشفافية ومنحا للحريات وأكثر تداولا سلميا للسلطة يمنح اليمنيين فرصة ترتيب بيتهم الداخلي والخروج من نفق الارتباك والفوضى المظلم الذي عانوا منه طويلا.
نجح اليمنيون في البداية بالاطاحة بعلي عبد الله صالح ، لكنهم توقفوا بعد ذلك، حيث نجح السعوديون بفرض شرط تولي نائبه عبد ربه هادي منصور منصب الرئيس الذي كان مخلصا لحلفائه السعوديين، حين لم
يلتزم بتنفيذ باقي بنود المبادرة الخليجية التي نصت على اجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وكتابة دستور جديد.
التدخل السعودي اليوم في اليمن وما تقوم به من اعمال من خلال استعمال القوة العسكرية يرقى في الواقع الى مستوى اعلان الحرب، حيث تشن الطائرات السعودية غارات يومية على البنى التحتية في اليمن بذريعة تدمير مواقع الحوثيين ومقراتهم ومراكز عملياتهم، ولكن الهدف السعودي من تصعيد المواجهة مع خصومهم الحوثيين يهدف إلى تحقيق عدة أهداف أبرزها السيطرة على جنوب اليمن وفصله عن الشمال بجعله خاضعا لسلطة حليفهم هادي وبحمايتهم ومن ثم قطع خط المواصلات البحرية عن موانئ اليمن الرئيسية لمنع الإيرانيين من نقل المساعدات العسكرية والاقتصادية الى الشمال وهو دور اخذ المصريون والباكستانيون الذين يملكون أساطيل بحرية كبيرة يقومون به ومن ثم الزحف نحو العاصمة صنعاء ودخولها.
تحشيد السعودية العسكري الكبير وضم عدة دول عربية الى حلفها الرامي للقضاء على الحوثيين وإضعافهم يمثل ذروة الرد السعودي على محاولات الحوثيين الذين يعتبرهم السعوديون اعداء وخصوما لا يمكن مهادنتهم او القبول بهم طرفا في الحوار او الحل لدوافع مذهبية وطائفية، فالرياض لا تريد ان يكون الحوثيون الذين يظهرون أنفسهم كنسخة يمنية من تنظيم “حزب الله” اللبناني من حيث الكفاءة والقدرة والتنظيم والانضباط العالي بين عناصره ندا لهم يجمع القوى والكتل اليمنية السياسية حوله ويعمل على انحسار نفوذهم وتآكله في الداخل اليمني. كما سيعني ذلك بالنسبة للسعودية تراجع دور القوى التقليدية الحليفة لها التي تعتبر أحصنة طروادة للعبور الى الداخل اليمني, فضلا عن القبول بنفوذ ايراني ظاهر وقوي في اليمن وتهديد الجنوب السعودي باكمله.
التشدد السعودي وبلوغه حد العنف يمثل نهجا يتبعه جناح الصقور في الاسرة الحاكمة السعودية الذي يتبناه ملكها الحالي سلمان بن عبد العزيز وعدد من الأمراء الآخرين الذين يعتبرون اليمن جزءا من السعودية وليست دولة مستقلة.
التدخل والعدوان السعودي على اليمن بحسابات المنطق والتاريخ لن يحقق اهدافه في اعادة اليمن من جديد الى الفلك السعودي ووصايتها وهيمنتها نظرا لما يتمتع به الحوثيون من قدرة وحنكة عسكرية كبيرة اظهروها بشكل جيد خلال حربهم الاخيرة عام 2009 ونجاحهم في اختراق الحدود السعودية وسيطرتهم على الشريط الحدودي، حيث يمتلك الحوثيون العديد من وسائل الرد من اجل ايقاف الهجمات ومنع السعوديين من تحقيق اهدافهم بالحاق الهزيمة بهم وهو ما يخشاه السعوديون الذين عملوا على اشراك عدة دول عربية في حملتهم العسكرية ضد اليمن من اجل منحها غطاء شرعيا عربيا لاهدافها واظهار نفسها كدولة محورية تتزعم دول المنطقة.
حل الازمة اليمنية لا يتم بالعنف والقراءة السعودية للحدث اليمني تظل ناقصة وتغيب عنها الدقة والحكمة، فاليمنيون شعب لم يسجل عليه يوما انه رضخ للغزاة ، فضلا عن ان الكثير من اليمنيين يكره السعودية نظرا لحملات الطرد المنظمة التي تمارسها ضد العمالة اليمنية من اجل تجويع الشعب اليمني وحرمانه من موارد مالية مهمة تأتي بها العمالة اليمنية المتواجدة في السعودية.
كما ان الاطماع السعودية في اليمن لها سوابق تاريخية فهي من غزت اليمن في بدايات القرن الماضي واستطاع عبد العزيز آل سعود من ضم مساحات واسعة من الاراضي اليمنية ابرزها عسير ونجران وجازان التي اصبحت محافظات سعودية بعد ان كانت في السابق مدنا يمنية.
كما انها عارضت تحول اليمن الى جمهورية بعد سقوط حكم الامامة سنة 1963 وحاولوا كما هو اليوم افشال النظام الجمهوري عندما اسسوا لجيش من القبائل اليمنية الذي حاول الزحف نحو العاصمة صنعاء قبل ان يوقف زحفه الجيش المصري الذي حارب جيش القبائل الممول والمسلح من قبل السعوديين لحماية الجمهورية الوليدة وكان ذلك سببا في حرب باردة وقطيعة نشأت بين السعوديين والمصريين، بل ان هناك رواية تتحدث عن قيام ملك السعودية الراحل فيصل بن عبد العزيز بمحاولة اقناع عميل مخابرات مصري لدس السم لعبد الناصر وقتله لقاء مبلغ مليون دولار اميركي.
رهان السعودية على القوة واستعمال نفوذها لدى الجامعة العربية وعلاقاتها مع الغرب الذي يعتبرها حليفا دائما له لتبرير عدوانها وتدخلها في مسألة يمنية تخص الشعب اليمني سيكون مصيره الفشل فطريق جيوشها وجيوش حلفائها نحو صنعاء لن يكون مفروشا بالورود وستعاني من خسائر وحروب استنزاف ستضطرها للانكفاء تاركة خلفها ذكريات مرة وأليمة.