علي حسن الفواز
باتت صناعة الحروب في الشرق العربي الاسلامي مفتوحة، ولا حدود لسردياتها ولمغامريها وحتى مستشرقيها الجدد، فوسائل الإعلام وتقانات التواصل الاجتماعي تصطنع متخيلا يؤكد طبيعة هذه الحروب من خلال أقنعتها الطائفية والدينية والجماعاتية، مثلما يؤكد بالمقابل فشل دول هذا الشرق العربي بشكل خاص في صناعة أنموذج نوعي للدولة الحقوقية الجامعة، لاسيما بعد أحداث ما سمي بـ(الربيع العربي) والذي فقد توصيفه الأخلاقي والسياسي، وكشف بالمقابل عن هشاشة البنى الثقافية والهوياتية لتلك الدول، فضلا عن التباسه المفهومي وخطورة ما تبدت فيه من مظاهر تثير الريبة، تلك التي أسهمت في صعود موجات غير مسبوقة من (الإسلام السياسي) ذي المرجعيات التكفيرية والعنفية، والتي كانت تغذيها دول بعينها من ذات الشرق العربي الاسلامي.
هذه الدول الممولة والداعمة وضعت لهذا الربيع الإشكالي ميزانيات ضخمة، وسياسات إعلامية وثقافية، وحتى فتاوى لتيسير ما يسمى بـ(جهادية) القتال والانتحار، ودفعت المليارات لاستقطاب الجماعات التي تقاتل تحت يافطة التكفير والثأر وإلغاء الآخر، وتهيئة كل لوجستيات الحرب المقبلة، حرب تدمير الوجود والهويات والتعايش، والتي تشرعن صناعة عدو افتراضي، عدو طائفي، وتغذيته بمشروعية فقهية يقوم بها دعاة مصممون لهذا الغرض، وقنوات إعلامية لا همّ لها سوى تغذية الصراع الطائفي المذهبي، ولعل بروز جماعات الغلو والتكفير في العديد من بلدان الشرق العربي بشكل خاص يؤكد الطبيعة (الاصطناعية) لهذه الحرب ولمشاريعها، ولتوجهاتها ولأوهامها.
“داعش” والعقيدة المموهة
لا يمكن الحديث عن ظاهرة “داعش” دون الحديث عن الدول والجماعات التي تقف وراءها، والتغويل العقائدي الذي يضع هذه الظاهرة في سياق تاريخي وفقهي وليس في سياق سياسي، وحتى التمويه العقائدي يتقنع بلبوسات إسلاموية تسندها مؤسسات فقهية تشرعن “الجهاد الانتحاري” و”جهاد الكراهية والتكفير”، وهو مايعني أن هذا العمل منظّم، ووراءه جهات تقوم على تسويق صورة إرهابية لعنفها ولمرجعيتها التاريخية والعقائدية، والتي تُقصي أي توصيف مدني وحقوقي للدولة، ولمفهوم العقد الاجتماعي، مقابل التأكيد على دولة ولاية الأمر التي تغذي مفهوم الرعوية على حساب مفهوم المواطنة، أي أنها تعمل على تكريس قيم الإخضاع والتابعية، وإعادة إنتاج الحاكمية بوصفها القوة (الراشدة) التي تحدد هوية الفرد والجماعة، وتنظم علاقة الفرد بالحكم والجماعة.
ظاهرة “داعش” ليست تعبيرا عن تضخم ظاهرة الاسلاموية السياسية فحسب، بقدر ما هي تعبير أيضا عن فشل الدول والجماعات والنخب السياسية والثقافية في صناعة قيم صيانية في مجتمعاتها، وانتاج أطر حقوقية لضمان قيم التعايش، فضلا عن الضعف الخطير في بناء المؤسسات وفي تشريع القوانين، وفي إيجاد البيئات الإشباعية على مستوى التنمية والتعليم والتأهيل والتمكين والحماية الصحية والأمنية، وبما يمنح قوى المجتمع الأهلي حضورا فاعلا، للدفاع عن وجوده وحقوقه وبرامجه.
كما أن من أخطر الحلقات التي أسهمت في صناعة ظاهرة “داعش” وغيرها من ظواهر جماعات العنف والتكفير وجود العديد من الدول الثيوقراطية في المنطقة، والتي عمدت الى تغذية ثقافات “الجهاد العنفي والارهابي”، وشرعنة فقهيات هذا “الجهاد” وتمويله، وتهيئة كل مصادر تغذيته في هذا المكان أو ذاك بالمال والقوة والإعلام، ولعل المشهدين السوري واليمني، يعكسان خطورة وجود مثل هذه الثقافات والمعسكرات الداعمة للارهاب، وحتى مايحدث في لبنان والعراق يكشف عن وجه آخر للإرهاب السياسي، ذلك الذي يعمد للتدخل في الشؤون الداخلية وفي التأثير على صياغة القرارات السياسية السيادية، وأحسب ان تأجيل انتخاب رئيس جمهورية في لبنان منذ أكثر من سنة يمثل أبرز مفارقات هذا التدخل المثير للجدل..
إرهاب الفقه.. وإرهاب الصورة
تمظهرات الصورة الإعلامية التي تضج بها قنواتنا الفضائية تثير حولها لغطا كبيرا، سواء على المستوى المهني، او على المستوى السياسي، فالهوية المهنية لهذه الصورة بدت شاحبة، وفاقدة لموضوعيتها ولمصداقيتها، ولتعاطيها التوصيفي مع أحداث بعينها.. والمعطى السياسي لهذه الصورة يكشف انحيازها وخطورة تشويهها للوقائع، وبالتالي يغيب عنها المعنى مقابل حضور الرسالة القصدية المرسلة الى جمهور مستهدف.
كل هذا يؤكد أن مايجري هو أيضا نوع من الإرهاب الإعلامي، والذي يسوّق للجمهور صورة بشعة ومريبة عن الصراعات الأحداث والمواقف، فضلا عن تقديم صور شوهاء عن مجرياتها وتغييب الكثير من حقائقها وجوانبها الإنسانية – كما يحدث في نقل
أحداث الحرب على اليمن – وهو ما يعني إفقاد الخطاب الإعلامي مهنيته، ووضع مصداقيته وموضوعيته على المحك.
وإذا كنّا قد تعلمنا في دراستنا المهنية عن ضوابط العمل الإعلامي وشروطه وقيمه، فأن مانشاهده اليوم في العديد من فضائياتنا العربية وبعض الفضائيات العراقية!! للأسف، وما نقرأه في العديد من الصحف العربية من صياغات للأخبار، ومن مقاربات وتحليلات يكشف عن الكثير من المفارقات المخلّة في شروط الالتزام بالمعايير المهنية، إذ يؤكد الدرس الأول في العمل
الإعلامي بأن كل المدارس والمناهج المتعددة، وإن اختلفت في التناول والمعالجة، الا انها تتفق على أهمية حضور الموضوعية والمهنية والمصداقية والوضوح والدقة والأمانة كشروط للعمل الإعلامي.مايحصل اليوم في الواقع الإعلامي العربي بشكل خاص لايعدو ان يكون وجها من وجوه صناعة هذا الإرهاب، وتغييب الرأي الآخر واتهامه بالخيانة، مقابل تهويل أحداث بعينها على حساب احداث أخرى، وهذا يدخل في سياق الحروب النفسية، وليس في سياقات الصناعة المهنية للاعلام، مثلما أن هذا الإعلام (الترويجي) والتلقيني يكشف من جانب آخر عن طبيعة الجهات التي تقف وراء خطابه، وعن خطورة ما يسعى اليه من أهداف تقوم على تأجيج الصراعات الأهلية والمذهبية، وعلى تدمير العناصر البنيوية للبيئة الثقافية والحقوقية والتعليمية في المجتمعات، فبعض القنوات تبدو وكأنها تقدّم نوعا من الدعاية، ونوعا من الفقه الحربي وفوبيا القوة، وأن صياغتها للأخبار والتقارير والمواقف والتحليلات منحازة وغير مهنية، وحتى نقلها للأحداث الميدانية يفتقد لما هو مهني في نقل الرسالة والصورة بطريقة موضوعية، لاسيما في سياق مواقفها من الصراعات السياسية والتعقيدات الأمنية في دول معينة، وطريقة اختيار اللقطات، والصور الخادعة، وهو مايعني الترويج لصناعة رأي عام عدائي يعمد الى بث روح الكراهية والحقد والتكفير والفرقة بين المجتمعات والجماعات.
قد لا يوجد توصيف قياسي للخطاب الإعلامي، لكن المهنية والمسؤولية الأخلاقية تتطلب حيازة الشرط المهني في هذا المعطى، واعتماد التلفيقات والأكاذيب في تبني خطاب ما، ولعل ما نشاهده اليوم في الاعلام الغربي من تغطية لأحداث معينة، بما فيها الجرائم التي يقوم بها الارهابيون – ورغم وجود بعض الحرفية العالية – يكشف عن أن تعاطيها مع
الأحداث يعتمد على الواقعية والموضوعية، بعيدا عن المشاعر الخاصة، تلك التي تضع الإعلامي محررا أو مراسلا جزءا من الحدث وليس هو العين التي ترى الأحداث وتعكس مهنية النظر اليها.أحداث العراق وسوريا ولبنان واليمن هي الاكثر تشوها في نقل وقائعها، وفي التعاطي مع يومياتها على مستوى اختيار الصورة، واختيار التسميات، وفي استضافة المحللين السياسيين والامنيين، وبالتالي فان مايجري هو تشكيل موقف ورأي عام ورسالة إعلامية تبث مضمونها الى جمهور مستهدف، لكي يكوّن وجهة نظر، أو حتى للتعرّف على ما يحدث في المناطق الساخنة، من اجل منع الكشف الحقيقي عن معطيات مايحدث على الارض، ومنع التأثير الذي يفضي الى اتخاد مواقف مناقضة للسياسات والتوجهات التي تبثها مؤسسات الإعلام الإرهابي.