د. جواد بشارة
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في أواسط تسعينيات القرن الماضي، وتفكك الكتلة الاشتراكية، انتهى العصر الثنائي القطبية وهيمن الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأميركية على شؤون الكوكب، وبدأ عهد أحادي القطبية الذي استمر على ما يزيد عن العقد ونيف من الزمن، والذي اتسم بالكثير من الاضطرابات والحروب المحلية والإقليمية.
كان حلف شمال الأطلسي، ولا يزال، هو الذي يدير دفة السياسة الخارجية للكوكب ولكن ظهرت إلى الساحة الدولية دول وأقطاب صغيرة باتت تنسق فيما بينها لتشكل قطباً منافساً اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً في جميع المحافل الدولية لا سيما مجلس الأمن الدولي ومنظمة الأمم المتحدة.
بدأت روسيا فلاديمير بوتين مناوراتها في السنوات الأخيرة بالتنسيق مع الصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا لخلق هذا الثقل الجيوسياسي والجيوستراتيجي الدولي المنافس للحلف الأطلسي والذي عرف باسم مجموعة “البريكس” وبالرد على ذلك قام الحلف الأطلسي بمناورات عسكرية وإنشاء قواعد عسكرية أميركية ونصب منظومة صواريخ عابرة للقارات بالقرب من الحدود الروسية لتطويق روسيا التي ردت بقوة بعملية ضم القرم ومواجهة توسعة الاتحاد الأوروبي الذي بات عدد أعضائه خمسة وعشرين دولة من بينها دول أوروبا الشرقية التي كانت ضمن المعسكر الاشتراكي في حلف وارشو سابقاً كالتشيك وهنغاريا وبلغاريا وبولونيا وغيرها. واليوم تبدأ معركة باردة في الوقت الحاضر هي معركة إمدادات خطوط الغاز والصراع على النفوذ في البحر الأسود وبحر قزوين بين القطبين الأطلسي ومجموعة “البريكس”.
الصراع على البحر الأسود قديم في التاريخ منذ عهد الإغريق ومن ثم العثمانيين الذين احتلوا القسطنطينية سنة 1453، وهو رقعة جغرافية شبه مغلقة تبلغ مساحتها 420000 كيلومتر مربع، وهو نقطة تلاقي أوروبا وآسيا وجنوب روسيا ويرتبط بالبحر المتوسط أو البحر البيض كما كان يسميه الأتراك من خلال مضيق البوسفور ومضيق الداردنيل. ويتاقسم البحر السود اليوم ستة دول متشاطئة حوله هي تركيا وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا وروسيا وجيورجيا. وهو مسرح لعدد كبير من الحروب الروسية العثمانية في القرن التاسع عشر كحرب القرم ، ومن ثم غدا البحر السود بمثابة بحيرة هادئة بعد الحرب العالمية الثانية.
وخلال الحرب الباردة التي دامت أربعين عاماً بدا البحر الأسود كحيز مكاني فاصل، أو نوع من الجدار المائي بين ضفتين فمن جهة تركيا ومعها الحلف الأطلسي التي هي عضو فيه، ومن الجهة الأخرى حلف وارشو فالشواطئ الشرقية والشاطئ الشمالي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي السابق باعتباره فضاء ستراتيجيا يجب أن يخضع للحياد لكن انهيار أو سقوط الاتحاد السوفيتي أعاد توزيع الأوراق وأنهى حالة الحياد وعاد الهياج والاضطراب لهذا البحر الهادئ وتأججت المنافسات والمناورات للسيطرة عليه.
ضمت المناورات العسكرية للناتو أو الحلف الأطلسي في العاشر من آذار الماضي ، دولاً مثل بلغاريا ورومانيا وتركيا وأربعة دول أخرى منها الولايات المتحدة الأميركية بالقرب من شبه جزيرة القرم، وهذه الأخيرة كانت تابعة لأوكرانيا لكنها عادت أخيراً لأحضان الأم الطبيعية للقرم ألا وهي روسيا، على الرغم من اعتراض وتهديد المجموعة الدولية الخاضعة لتوجيهات الغرب. يوجد في البحر الأسود أسطول بحري وقاعدة عسكرية روسية مهمة في ميناء سيباستوبول، وكرد على المناورات نشر الجيش الروسي 8000 قاذفة صواريخ في القرم وعلى طول الحدود الأوكرانية.
بالمقابل، ولطمأنة دول المنطقة، وضعت واشنطن برنامجاً عسكرياً يهدف لزرع الطمأنينة في نفوس الأوروبيين حيث سوف يفتتح مركز للاتصالات تابع لحلف الناتو الأطلسي في بلغاريا وتم تعزيز الحضور الأميركي في رومانيا بالتزامن مع انتهاء الوجود الأطلسي في أفغانستان في كانون الاول 2014 ، الامر الذي دفع بعض المراقبين والمحللين إلى طرح تساؤل عن ضرورة وجدوى بقاء هذا الحلف.
تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى الحد من الصعود الروسي الجديد في المسرح الدولي وتنامي نفوذه في مناطق مهمة في العالم كالشرق الأوسط وبالذات في إيران وسوريا وإلى حد ما في العراق واليمن والجزائر وربما لاحقاً في اليونان إذا لم تجد حلاً لأزمتها الاقتصادية والمالية وثقل الديون التي تخنقها والتي كبلها بها الاتحاد الأوروبي.
المجال الأهم في هذا الصراع الخفي هو السيطرة على مصادر الطاقة وطرق إمداداتها أي النفط والغاز، وتأمينها عسكرياً، فكل الحروب المحلية والإقليمية التي تحدث بين القطبين بالوكالة تهدف إلى كسب مناطق نفوذ جديدة بغية تطويق الخصم خاصة إذا عرفنا أن دولا مثل الصين والهند، تعتمد في اقتصادها ورخائها وقوتها على الطاقة المستوردة عكس روسيا والولايات المتحدة التي تمتلك إمكانات ذاتية من الطاقة والوقود.
لذا علينا أن نعرف أن نتائج هذا الصراع والتنافس هي التي ستحدد لنا ملامح مستقبل العلاقات الدولية، وتقاسم النفوذ والثروات، ورسم صورة العالم في المستقبل القريب.