جابرييل ويلداو وجوش نوبل
أدى صعود آسيا إلى إدخال أمر خارج عن المألوف في العلاقات بين أمريكا وبريطانيا. أصبح المثقفون البريطانيون واثقين إلى حد كبير من أن الولايات المتحدة في سبيلها إلى أن تفقد الهيمنة العالمية، تماما مثلما حدث لبريطانيا في القرن الماضي.
هذا الافتراض يدل على التهاون، وغالبا ما يُغلَّف بعبارة مثيرة للأعصاب من قبيل “حظا أوفر في المرة المقبلة أيها الشاب”. لكن هناك حتى عادة أسوأ تسيطر على النخب البريطانية حين يكونون في صحبة الأمريكيين، وهي على النقيض من التسليم بالتراجع. إنها الذهول الذي يكاد يصل إلى الرهبة. طبقتنا السياسية الإعلامية تزداد افتتانا بمثيلتها الأمريكية مع كل جيل. وهذا يتجاوز قضاء العطلات في كيب كود، كما فعل جودون براون حين كان وزيرا للمالية، أو تكون حلو المعشر مع الرئيس الأمريكي، وهو أول واجب دبلوماسي لأي زعيم غربي. إنه انغماس ضيق في الطابع السياسي الأمريكي – إلى الحد الذي يؤدي إلى استبعاد العالم الأوسع، واستبعاد الأبعاد غير السياسية لأمريكا نفسها.
سياسيونا يتعاقدون مع المستشارين الانتخابيين الأمريكيين كما لو أن واشنطن ووستمنستر هما كيانان سياسيان متماثلان. وحين يصلون، يرون أنهم لا يستطيعون شراء الإعلانات التلفزيونية، أو يجمعون مبالغ كبيرة من المال، أو يعاملون الانتخابات وكأنها سباق بين حزبين، وبالتالي يتراجعون بهدوء. جيم ماسينا، الذي يعمل مع المحافظين، وديفيد أكسلرود، الذي يعمل مع العمال – وكلاهما خدم بتميز مع باراك أوباما – ليست لهما أهمية كبيرة في الحملة الانتخابية البريطانية. وليس هذا بسبب أي نقص في مهارتهما. الأمر ببساطة هو أن البلدين مختلفان إلى درجة تفوق الحد.
سياسيونا منهمكون في مطالعة كتب روبرت كارو عن ليندون جونسون – على الأغلب من أجل الاسترشاد حول كيفية السيطرة على مجلس شيوخ لا وجود له في وستمنستر. السهرة المسائية في الوسط الإعلامي في لندن هي مسلسل هاوس أوف كاردس House of Cards – نسخة الإنترنت بطبيعة الحال التي تبثها شركة نيتفليكس – أو الحلقات الرخيصة القديمة من مسلسل ويست وينج West Wing.
ثم هناك الاهتمام المحموم الذي يبعث على الإحراج، بالانتخابات الرئاسية الأمريكية قبل سنتين من موعد الاقتراع. السياسيون الذين لا يعرفون حتى اسم المفوض الأوروبي للقوانين التنظيمية، الذي يؤثر كل قرار له في آفاق حياتنا، ستكون لهم آراء قوية حول عضو كونجرس جديد من إحدى الولايات القريبة من جبال روكي، الذي يريد أن يجرب حظه في الانتخابات ليكون نائبا لأحد المرشحين. المساعدون غير المهمين في وايتهول من الذين هم في منتصف العشرينات من العمر يتحدثون بمنتهى العمق في تحليلهم لساحة الحزب الديمقراطي أثناء فترة الغداء، ويشيرون إلى هيلاري كلينتون باسمها الأول وكأنهم خرجوا من أحد الاجتماعات اليومية معها. بطبيعة الحال تستحق أمريكا الاهتمام. نظرا لنفوذها العالمي، والحيوية الثقافية، والمعجزات التكنولوجية، فهي بلا نظير بين البلدان. لكن ليست هذه هي الأمور التي تأسر لب نخبنا، الذين يبدو أن فضولهم يبدأ وينتهي عند العالم الصغير الذي اسمه واشنطن، وأحيانا يتوسعون إلى مسافة تصل إلى نيو إنجلاند.
الأسئلة المهمة فعلا حول الولايات المتحدة لا يبدو أنها تثير اهتمامهم. لماذا تنشئ أمريكا، على خلاف بريطانيا، هذا العدد الكبير من الشركات التي تحقق نجاحا ضخما؟ لماذا يبدو أن مجتمعها المسلم أكثر تكاملا في الحياة الوطنية من المسلمين في كثير من بلدان أوروبا؟ هل نستطيع تكرار التقليد الأمريكي القائم على الجمعيات الخيرية المذهلة؟
بدلا من ذلك تجدهم يتحدثون لدينا عن الشائعات التي تدور في منطقة الحزام الدائري (في واشنطن) مع أن أقرب حزام دائري لدينا هو في الواقع الخط السريع 25 في لندن. ما يجري هنا هو نوع من التذلل الاستعماري المقلوب: الطبقة الحاكمة في “البلد القديم” تحن إلى قوة وبريق العالم الجديد. فهي محتاجة وتتصرف بطريقة غير لائقة. مظاهر العصاب تتبدى في استخدام اللهجة الأمريكية في وستمنستر وفي شارع الصحافة. أصبح من الطبيعي أن تسمع عبارات مثل “جهات مهمة تغير قواعد اللعبة” و”غرف الحرب”، كما لو أن الحملات الانتخابية هي أحد الأقرباء المباشرين لمباراة البطولة في كرة القدم الأمريكية أو عمليات البنتاجون، وليس القضايا العتيقة – التي نشكر الله على أنها قصيرة – التي يغلب عليها أن تكون في بريطانيا.
أكثر التعبيرات حيوية في الحملة حتى الآن هي عبارة “إي والله”، وهي تأتي من إد ميليباند، زعيم حزب العمال. ليس هناك شخص فعلي في بريطانيا يتحدث بهذه الطريقة. نحن نقترب من نقطة نجد فيها أن السياسي المتحمس يتحدث بعبارة أمريكية أمام جمهور مذهول في إحدى المناطق في بيرمنجهام أو لندن ويقول “أكيد مية بالمية”.
سيستشهد المحافظون البريطانيون بهذا الهوس بأمريكا باعتباره دليلا على أن التقارب الثقافي ضمن دائرة الناطقين بالإنجليزية تجاوز أي شيء عابر مثل الاتحاد الأوروبي. لكن لو كان هذا صحيحا، يجب أن يكون متبادلا. مثال ذلك أن نرى مساعدي أعضاء الكونجرس الأمريكي وهم يجتمعون عند براد الماء لمناقشة أحدث قفزات وستمنستر. لكنهم لا يفعلون ذلك، ولا يفعل ذلك أيضا السياسيون في أستراليا أو كندا.
طبعا هم يعرفون أن رئيس وزراء بريطانيا هو ديفيد كاميرون. وربما يعلمون أن ميليباند يريد أن يحل محله في منصب رئيس الوزراء. ولعلهم سمعوا باسم بوريس جونسون، الرجل ذي الشعر المضحك الذي يتولى إدارة لندن. عند هذه النقطة تبدأ المعرفة والاهتمام بالذوبان. وهم لا يتظاهرون بأن السياسة في بلد آخر يمكن أن تكون مفيدة باعتبارها خلفية لسياسة بلدهم.
وحتى لو كانت هناك أسباب عميقة ولها علاقة بالأنساب تفسر الاهتمام الشديد بأمريكا، وليس بأوروبا، لدى الجمهور في الحياة العامة في بريطانيا، إلا أن هذه الأسباب لا تتفق مع أي قراءة للمصلحة العامة. أمريكا هي أقوى بلد في العالم، لكن تأثيرها اليومي في بريطانيا ليس قريبا بأي حال من تأثير الاتحاد الأوروبي، وهو أمر سيوافق عليه المناهضون للاتحاد الأوروبي أنفسهم. الطبقة السياسية الناضجة من شأنها أن تتخلى عن محاولة العيش بالنيابة من خلال واشنطن، ومحاولة إدارة رؤوسها والالتفاف على بروكسل وبرلين وباريس. البرلمان الأوروبي وحركاته، والحضور النسبي للجنسيات المختلفة في الأدوار الرسمية، وميزان القوة المتأرجح بين العواصم المختلفة في أوروبا كل ذلك ممل، وكل ذلك مهم تماما. السياسي أو المختص البريطاني، حتى “أو خصوصا” إذا كان من المناهضين للتكامل الأوروبي، ينبغي أن يكون ضليعا في هذه المواضيع. فهذه أمور تتعلق بالمصير القومي.
بدلا من ذلك، يكاد يكون هناك اعتزاز بهيج بالجهل، ونفاد صبر من شدة الشوق لمشاهدة حلقة أخرى من مسلسل كيفين سبيسي واللهجة الأمريكية الغريبة. ماذا سيكون رأينا في سياسي برتغالي لا يكاد يعرف شيئا عن بروكسل، لكنه مطلع على أحدث التطورات في البرازيل؟

التعليقات معطلة