صلاح حسن السيلاوي
بينما نعيش عواصف من العذاب، ونطعم أعمارنا أياما بنكهة الحزن، يأخذنا الاعتياد على ذلك، فلا ننتبه لأبنائنا وهم يتلوثون بمشاهد الموت ولغة الخراب.
منذ عقود كثيرة، تتوارث الحياة العراقية حروبا، فلم نسمع نحن أيام طفولتنا، سوى أحاديث أمهاتنا عن قلقهن على آبائنا وأخوتنا من الموت.
لم نسمع سوى أخبار الشهداء والضحايا والقتلى، وكانت صور المعركة التي تبث عبر تلفزيون العراق آنذاك، واحدة من مشاهد ربيع أعمارنا، لغة الحرب حاضرة في البيت والشارع، وفي المدرسة كان درس الوطنية عبارة عن مقاتل وحرب وقائد ضرورة!.
وعندما كبرنا مع الحروب لم نستطع إنهاءها، بل دخلنا في أخرى أعتى، وها نحن نورث لصغارنا ما ورثناه من الآباء.
سيقول الجميع أن الواقع فرض ذلك، وأن لا سبيل لإبعاد الطفل عن تأثره بالواقع اليومي المليء بكل هذه المشكلات، لكنني أقول: هل نملك سعيا فعليا لصناعة ثقافة خاصة بالطفل؟، هل يوجد مثل هذا الهم لدى مؤسساتنا المعنية؟
ما هي الستراتيجية التي تتبناها الدولة لحماية ذهنية الطفل وذائقته من كل ما يملأ محيطه من خراب وعنف وإسفاف؟، هل فكرت الدولة بإنشاء قناة فضائية خاصة به، ومدعومة بنخب مثقفة واكاديمية تسعى لتقويمه وحمايته لتسهم ببث المفاهيم الانسانية المرجوة في شخصيته؟ وماذا عن سعي الجهات التعليمية والتربوية؟، أين هي القنوات المعنية بتحفيز ودعم وإظهار الطاقات المبدعة بين الاطفال؟، وماذا عن الابتكار في المدارس الابتدائية؟، وأين هي اساليب دعمه وما هي؟، وماذا عن دور النشاط المدرسي؟ هل استطاع ان يخرج لنا طفلا مبتكرا، فنانا، أديبا؟، هل يمكن لهذه الدائرة ان تقول بأنها اسهمت بدعم وشهرة طفل موهوب؟، وإن فعلت ذلك، فهل يتناسب فعلها، مع كم المواهب العراقية؟ ماذا عن دعم الدولة لأساليب الابتكار العلمي والفني في هذا
المجال؟.
كيف يمكن أن تسهم النخب المثقفة في البلاد بصناعة خطاب حقيقي قادر على تأهيل الطفل لمرحلة المراهقة والشباب لا سيما وان الطفولة هي المعين الأول لذاكرة الإنسان ووعيه وتشكل شخصيته؟ ثمة سبل كثيرة على الدولة اتباعها لنشر هذه الثقافة، وهي سبل لم تحقق الدولة منها شيئا، فلا مسارح خاصة بالطفل، ولا مسابقات لأدب الطفل وفنه، أما غياب الدروس المعنية بالفن والموسيقى في المدارس، فكأن الحديث فيه أمر مستحيل ، وهذه إحدى غرائب الواقع ومآسيه .
نحتاج وسائل يمكن من خلالها لفت انتباه الطفل عن مشاهد الموت والعنف المتكررة في محيطه ؟ وسائل تسهم بإبعاده عن لغة الشارع العنيفة التي تسور حياته.