صادق ناشر
لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته كوبا في قارة أمريكا اللاتينية وجزء كبير من العالم، فقد كانت واحدة من القلاع التحررية والثورية في العالم وأسهمت بشكل كبير في إحياء مثل الحرية لدى العديد من الشعوب، كان بعض الأقطار العربية في قلب هذه المعادلة .ارتبط اسم كوبا بقائدها الفذ فيدل كاسترو الذي واجه الغطرسة الأمريكية في خمسينات وستينات القرن الماضي، وقاد دولة تعد واحدة من أهم الدول وأكثرها تأثيراً في قارة أمريكا الجنوبية، وساهم في وضع بلاده على خريطة العالم الثالث وسخرت كل إمكاناتها لتأسيس دولة ذات بنية صلبة لمواجهة السياسة الأمريكية .وساعد كوبا في صنع تاريخها وجود الاتحاد السوفييتي الذي كان يخوض هو الآخر حرباً باردة مع الولايات المتحدة والغرب، حيث كان للدعم السوفييتي الأثر الكبير في صمود كوبا، وهو الدعم الذي كاد أن يفجر حرباً عالمية ثالثة في القضية المعروفة ب “أزمة الصواريخ” عام 1962 بعد عامين تقريباً من محاولة فاشلة قامت بها أمريكا لإسقاط نظام الرئيس الكوبي فيدل كاسترو، والمعروفة ب “حرب خليج الخنازير” .كان الأمريكيون يخططون لإسقاط نظام كاسترو واستخدموا لذلك المعارضة الكوبية لديهم، إلا أن الكوبيين تمكنوا من تغيير المعادلة لمصلحتهم وكسبوا المعركة التي كانت بداية لعمليات فاشلة أخرى لغزو كوبا .اليوم وبعد أكثر من ستة عقود يعيد الأمريكيون النظر في علاقاتهم بكوبا، وقبل يومين التقى الرئيس باراك أوباما في بنما الرئيس الكوبي راؤول كاسترو، شقيق القائد التاريخي فيدل كاسترو، وذلك بعد أن تغيرت الكثير من المعادلات السياسية والعسكرية في هذه المنطقة .أدرك الأمريكيون أنهم ليسوا قادرين على إسقاط نظام له جذوره الشعبية القوية؛ فعلى الرغم من أن كوبا تعد بلداً فقيراً مقارنة بالولايات المتحدة وحتى بدول أخرى في القارة الأمريكية، إلا أنها تمكنت من صنع تاريخ خاص بها، وكان النظام الكوبي نداً لأمريكا، التي حاولت خلال سنوات كثيرة تغيير النظام وإسقاطه بوسائل مختلفة، لعل أبرزها استغلال المعارضة الكوبية المتواجدة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الحصار الاقتصادي ووضعها في قائمة الدول الداعمة للإرهاب .نجحت كوبا في مجالات عديدة، لعل أبرزها الطب، التعليم والرياضة، وصنع الكوبيون تاريخهم الخاص بهم وتأثر العديد من الشعوب الحرة بالفكر الكوبي القائم على رفض الاستعباد الذي حملته الدول الاستعمارية لدول وشعوب كثيرة .قدمت كوبا نموذجاً راقياً لعالم ثالث مختلف، ونجحت في تقديم نفسها للعالم باعتبارها قلعة صامدة في وجه المخططات الأمريكية التي كانت ولاتزال ترغب في تركيع شعوب العالم والانقياد لسياستها .