المستقبل العراقي/متابعة
هل العمر هو من يحدد طريقة عيشنا.. أم أن رغبتنا العيش بطاقة وحيوية وحب للحياة هي التي تجعل من العمر مجرد حساب رقمي؟ما بين قدرة الفرد على تحقيق ما يريد واستمتاعه بكل لحظة، رغم تقدم سنه، وشعوره بالحيوية والأمل والطاقة، يقابله شخص آخر يشعر بالهرم رغم صغر سنه؛ الأول يعيش حياة إيجابية، والآخر لا يشعر بنكهة الحياة لأنه يعيش أكبر من عمره الرقمي.وتأتي مؤثرات الحياة المحيطة التي تفرض نفسها على الفرد لتؤثر في تفكيره وشخصيته، وفق اختصاصيي علم النفس والاجتماع، فكثير من الأشخاص لا يعون أن الإنجازات لا تحدد بالعمر، بل هي قابلة للتحقيق في مراحل عمرية مختلفة ومن لم ينجح في بداية الطريق قد يحققها لاحقا.العاملة في مجال منظمات المجتمع المدني فريال مسعود، ترى أن لكل مرحلة عمرية متطلباتها وطريقة العيش التي يحياها الفرد، بحيث لا تتعارض مع الرقم العمري، فهي من تقرر كيف تعيش وما تريد أن تفعله بحياتها طالما لا تؤذي من حولها.وتضيف مسعود أن عمرها لا يعني أن تتوقف عن العيش بسعادة والتمتع بكل يوم من حياتها، وفي الوقت نفسه تشير الى أن لكل مرحلة عمرية متطلباتها التي قد تتعارض أو تتوافق مع الضوابط الاجتماعية المحيطة.وتوضح أن الضوابط المعرفية والصحية تتحكم بالشخص أحيانا، لكنها حتما لا تحدد الرغبة التي يريد أن يعيش بها ونمط الحياة التي يراها مناسبة له، وهنا يصبح العمر مجرد حبر على ورق، وهو أمر سهل التحقيق بحسب خبرتها وطريقة حياتها حتى اليوم.أما بالنسبة للسيد خالد معن “ متقاعد”، فإن الحياة لم تتوقف بعد تقاعده، لافتا إلى أن نشاطاته تنوعت وبات لديه وقت طويل كي يقوم بكل ما كان يريد أن ينجزه سابقا ولم يستطع نتيجة ظروف صعبة، معتبرا أن عمره الرقمي 69 وذلك لا يعني شيئا مقابل فرحته بما حققه والتي أعادته أربعين عاما للوراء، كما يقول.معن الذي استثمر راتبه التقاعدي في مشتل صغير، أراد أن يمتلكه منذ كان شابا، وجد فرصته بعد أن أنهى خدمته العسكرية، ليقضي وقته بين الأزهار والأشجار التي يجيد العناية بها، والتي سددت ديونه كافة.وما يراه معن أنه رغم مشاكله الصحية التي تحتم أن يستريح بالمنزل، يجد أن صحته تتحسن حين يتحرك في أرجاء المشتل ويروي الأزهار ويقدم الخدمة لزبائنه، ما جعله يشعر بأنه في الثلاثين من عمره وبأنه صديق لأبنائه وليس والدا لهم، خصوصا أن لياقته البدنية عالية وحيوته ونشاطه يبدآن منذ طلوع الشمس.وتعد شخصية الإنسان الأساس في اهتمامه بالعمر والعطاء والاستمتاع بالحياة، وفق الاختصاصي الاجتماعي د.حسين خزاعي، منوها إلى أن الأهداف والطموحات لا ترتبط بمرحلة معينة.ويبين الخزاعي أن طبيعة الأفراد ونظرتهم للحياة تلعبان دورا مهما في تحديد أسلوب حياتهم.
ويضيف أن البعض يمتلك نظرة تشاؤمية، وهؤلاء هم من يحسب للرقم حسابا، وقد يكون شابا ولكنه رأى في عدم قدرته على الإنجاز والخيبات المتتالية عاملا مهما ليشعر باليأس لأنه لم يحقق ما أراده في هذه السن فوجد أنه لن يقدر عليها كلما تقدم به العمر.
وللنظرة التفاؤلية إسهام كبير في تحقيق الإنجاز والعيش براحة ومتعة والشعور بالشباب، بحسب الاختصاصي النفسي د. محمد الحباشنة، مؤكدا في الوقت نفسه أن لكل مرحلة عمرية متطلبات نفسية ترافق الفرد ومتطلبات اجتماعية تفرض نفسها عليه.وفي المقابل، فإن الطريقة التي تنظر بها السيدة أسماء علوان لعمرها، بأنه رقم، تأتي بسبب اقترابها من سن التقاعد؛ حيث تشعر بأن المجتمع يفرض العزلة على صاحبه وأن ينتظر الموت، ما يعزز الخوف بداخلها رغم الطاقات التي تشعر بها وحبها للحياة.
ويرى د. عبد المنعم صبيح أن القدرة العمرية تفرض نضجا عقليا وعاطفيا والتي تساعد الإنسان على أن يكون راضيا عن نفسه، وحالات الضغط النفسي التي يمر بها خلال مراحله العمرية المختلفة وتحدد نوعيتها طبيعة الفرد، بين كونه إيجابيا أو سلبيا، وبين أن يكون منطلقا أو ملتزما بما يفرضه محيطه.
ويؤكد أن النضج العاطفي والعقلي يعني أن يتصرف الفرد بعقلانية وطريقة مناسبة باختلاف المواقف والظروف، وتفاعله مع المحيط.وفي المقابل، يعتبر صبيح أن القيود الاجتماعية والقيود الشخصية أمران مختلفان، فلكل مجتمع ضوابط قد تمنعه من أن يكون على طبيعته ونفسه وقد يكون الفرد نفسه مسببا في أن يفرض قيودا على ذاته تلزمه بعمره من خلال خوفه الاجتماعي.
ومن خلال خبرة علوان العملية في إحدى الشركات الحكومية كمحاسبة، فهي تعتبر أنه رغم كل الطاقات التي يمكن أن يمتلكها الفرد لكن تتحطم كل أحلامه ورغبته في العيش حين يبلغ سن التقاعد والتوقف عن الإنتاجية والعمل، فتجعل من يتقاعد رهين أفكاره السلبية وتلغي تواجده للأسف ويصبح العمر الرقمي مقياسا لكل شيء.لكن خزاعي يرى أن العمر لا يجب أن يكون مقيدا لأي سلوك إيجابي، والانتقال من مرحلة عمرية لأخرى لا يعني أن العطاء توقف، فيجب الاستفادة منها بتوظيف الخبرات لتحقيق الإنجازات ولو في مراحل عمرية متقدمة.وينوه خزاعي الى دور الخبرات التي يمر بها الإنسان، والاستفادة منها لتحقيق ما يريد خلال مراحله العمرية المختلفة.
ويبقى العمر رقما لا يحدد من يكون الشخص وماذا يفعل، طالما هنالك أمل وحب للحياة ورغبة في الإنجاز والعمل والنجاح.