فيصل جلول
شاءت الصدف أن يولد باراك أوباما في 1961 عام الانفجار الكوبي – الأمريكي الذي كاد يودي بالسلام العالمي عبر حرب نووية بسبب صواريخ استراتيجية زرعتها موسكو في الجزيرة لحمايتها من الحملات الأمريكية المتواصلة لإسقاط نظامها الذي أقامه فيديل كاسترو وارنستو تشي غيفارا بعد ثورة شعبية مسلحة أطاحت بالديكتاتور باتيستا حليف واشنطن ورجل المافيات الأمريكية . يومها قطعت واشنطن علاقتها الدبلوماسية مع جارتها الكوبية وكفت عن العمل المباشر لإسقاط نظام كاسترو نتيجة اتفاق مع الروس بعدم التعرض له، كما جرى قبيل أزمة الصواريخ عندما أنزلت واشنطن مجموعة مسلحة من المعارضين لتمارس حرب عصابات من أجل الاطاحة بكاسترو وباساليبه التي استخدمها ضد باتيستا، فيما يسمى انزال “خليج الخنازير” الفاشل .
وإذا كانت العلاقات الكوبية – الأمريكية قد انقطعت يوم ميلاده فالراجح أن أوباما مصمم على إعادتها وإجراء مصالحة مع الكوبيين قبيل مغادرته البيت الأبيض . والدليل أنه خاض خلال العامين الفائتين مفاوضات سرية امتدت 18 شهراً، وتوجت بإعلان مشترك في 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي من عاصمتي البلدين عن وجوب عودة العلاقات والمصالحة بينهما . ولم يقتصر الأمر على الإعلان فقد بادر راوول كاسترو من بعد إلى مصافحة اوباما خلال مراسم عزاء نلسون مانديلا وذلك للمرة الأولى في تاريخ العلاقات بينهما، والأهم من ذلك هو اللقاء المنفرد الذي انعقد في بنما قبل أيام بين الرجلين على هامش قمة الأمريكيتين الدورية السابعة التي حضرتها هافانا للمرة الأولى منذ تأسيسها عام 1994 بسبب “الفيتو” الأمريكي .
استقبل الرئيس الكوبي هذا الحدث الاستثنائي الذي يعد بكسر عزلة الجزيرة للمرة الأولى منذ نشوء النظام الماركسي، استقبله بمجاملة غير مسبوقة لنظيره الامريكي حين قال: “أوباما رجل متواضع وشريف ولا يتحمل مسؤولية أعمال قام بها 10 رؤساء من قبله” في حين اعتبر زعيم البيت الأبيض أن كوبا ستكون بعد المصالحة حرة في إدارة شؤونها والدفاع عن المواضيع التي تراها ضرورية على الصعيد العالمي .
لكن كسر العزلة الكوبية على اهميته لا يكتمل إلا بعد إلغاء المقاطعة الأمريكية للجزيرة وبخاصة إلغاء تصنيف كوبا في قائمة الدول الداعمة للإرهاب، حيث صنفت فيها منذ عام 1982 عندما استقبلت قادة من منظمة الانفصاليين الباسك ومجموعة اخرى من الثوار الكولومبيين .
قبيل مغادرته البيت الأبيض سيكون رصيد باراك أوباما عامراً بحل مشكلات معمرة أو عويصة كالانسحاب من العراق وأفغانستان وتوقيع اتفاق النووي الإيراني واستئناف العلاقات الإيرانية الأمريكية وطي صفحة التدخل لدعم الأنظمة السياسية في أمريكا اللاتينية وطي صفحة التدخل المباشر في الشرق الأوسط، ومن غير المستبعد أن يكون الرئيس الأهم في تاريخ بلاده منذ جون كينيدي الذي وصل إلى الذروة في الصراع القطبي خلال الحرب الباردة بينما هو يفكك أزمات نشأت خلال الحرب الباردة وعاشت من بعده .
بالمقابل سيدخل راوول ومن قبل أخيه فيديل التاريخ من باب أوسع وذلك عبر صموده الأسطوري أمام أكبر قوة في العالم على كل صعيد هذا الصمود الذي أدى إلى عزلة واشنطن نسبياً في أمريكا اللاتينية وخروج أنظمة لاتينية مهمة من دائرة نفوذها كالنظامين البوليفي والفنزويلي ناهيك عن أنظمة أخرى تكونت على قاعدة مقاومة واشنطن والدفاع عن كوبا في مختلف أرجاء القارة التي كانت توصف بأنها الحديقة الخلفية للولايات المتحدة .
تبقى الإشارة إلى أن أعداء النظام الكوبي في الولايات المتحدة يعتقدون أن مصيره بعد المصالحة سيكون مشابهاً لمصير النظام الإيراني عندما يتحرر من العقوبات وتنتعش الطبقة الوسطى التي ستسعى للتعبير عن نفسها عبر تغيير النظام بوسائل ديمقراطية وفي هذه الحالة سيكون على النظام إما التصرف بعنف وبالتالي المخاطرة بعزلة وعقوبات دولية جديدة وأما القبول بقواعد لعبة لا يتحكم بها وسيضطر للقبول بنتائجها كي لا يغامر بمصير البلاد برمته، وفي الحالتين النتيجة واحدة .
لكن صورة المستقبل تبدو مختلفة تماماً من هافانا فالتحرر من العقوبات يمكن أن يعتبر انتصاراً لصمود النظام الذي سيكون لديه وسائل اقتصادية إضافية تعزز استقلاله، وتعزز نزعته الوطنية التي كرست عبر أجيال متعاقبة وترسخت عبر ثقافة سياسة مستقلة ومناهضة للتدخل الخارجي والليبرالية المتوحشة التي كانت سائدة في الجزيرة قبل الثورة عام 1959 . ويسود اعتقاد أن الكوبيين على حد سواء لن يضحوا بامتيازاتهم الاجتماعية التي حصلوا عليها خلال سنوات الثورة كالطبابة المجانية ذات المستوى الرفيع والضمان الاجتماعي والتقاعد المضمون . والراجح بنظر الخبراء في الشأن الكوبي أن يعمد النظام إلى إعادة استثمار المداخيل التي يتيحها التدفق الرأسمالي المرتقب بعد رفع العقوبات من أجل إعادة تشييد البنية التحتية التي تآكلت في ظل الحصار وتحسين النظام التعليمي وزيادة دخل الفئات الدنيا وإيجاد فرص عمل جديدة لمكافحة البطالة والبطالة المقنعة . . . الخ . ما من شك في أن ضبط آثار الجرعات الاقتصادية المنعشة لاقتصاد البلاد سيكون صعباً للغاية وبخاصة إذا ما تبين أن من بين شروط كسر العزلة عن كوبا السماح للمنظمات غير الحكومية بالعمل بحرية في الجزيرة فضلاً عن إصلاحات ليبرالية في الإعلام والنظام التمثيلي واعتماد قانون انتخابات جديد، ولكن المجهول الأكبر يبقى في كيفية تنظيم خلافة الأخوين كاسترو وهنا تختلف التقديرات فالمتفائلون من الجانب الأمريكي يرون أن وجه كوبا سيتغير تماماً عندما يغيب آل كاسترو في حين يرى أنصارهم أن النظام الذي بناه فيديل وراوول من بعد بات صلباً إلى حد أن حزب الرجلين هو الذي يقود البلاد وسيستمر بقيادتها بعد غيابهما لخدمة الفئات التي يمثلها والتي ستدافع بقوة عن امتيازاتها . نعم كوبا انتصرت على الحصار وعلى الحرب الباردة وعلى القوة العظمى الوحيدة في العالم يبقى أن تقاوم سحر الرأسمالية الخفي .

التعليقات معطلة