المستقبل العراقي/متابعة
 “التبرع بالمال بدلا من الهدية”، بهذه الوسيلة استطاعت والدة مهند غرس قيم العطاء في نفس طفلها “ذي السبع سنوات”، عندما قررت مشاركة زملائه الطلبة حفل ميلاده في المدرسة، موجهة دعوة للأهالي كتب عليها “لا تحضر هدية… تبرع للصندوق لدعم النازحين “.قامت الأم بتجهيز متطلبات الحفل بالتعاون مع المعلمات، ووضعت “الصندوق” أمام مرأى الجميع، وفوقه عبارات مختلفة من الدعم والتشجيع للقيام بأعمال الخير، لتحظى هذه الفكرة برضا واستحسان جميع الأمهات والطلبة الصغار.يقول الطفل مهند “أنا سعيد جدا لأنني سأتبرع، وسنجمع مالا يذهب لدعم النازحين ، وإن شاء الله يشفى كل مريض، وجميع أصدقائي أحبوا أن تكون أعياد ميلادهم القادمة مثل عيد ميلادي”.
هنالك أساليب كثيرة لتعليم الطفل أهمية العطاء ومعناه الحقيقي ومنها حب (التبرع بالمال)، وهذه الأساليب قد تشمل المواعظ والقصص والحكم، ولكن من المهم الانتباه إلى تحويل الكلمات الجميلة إلى فعل، ليشعر الطفل بمعناه، وأن يكون العطاء جزءا من نظام حياتنا، نمارسه بتلقائية وسعادة، وهناك العديد من الوسائل التي يمكن للأهل من خلالها تحويل نصيحة العطاء إلى فعل يفهمه الطفل ويمارسه.ربة المنزل رانيا (أم لثلاثة أطفال)، خصصت صندوقا في منزلها لجمع (الصدقات)، وهو أن يضع به جميع أفراد العائلة مالا كل صباح وقبل خروجهم من المنزل، بهدف تعليم أبنائها الصغار أهمية الصدقة اليومية وفوائدها.
تقول الأم “بدأت شرح أهمية الصدقة في حياتنا لأطفالي قبل وضع الصندوق، فمن الجميل أن يتعلم الصغار وضع صدقة فيه من مصروفهم، رغم أنني أزيد من مخصصاتهم ليتمكنوا من المشاركة والتبرع بالمال”.
أما الطفل وليد (7 سنوات) وشقيقته ريم (6 سنوات)، فسرعان ما يبادر كل منهما بوضع قطعة نقدية أو أكثر حسب المتوفر لديهما، عندما يرون صندوقا للزكاة سواء في أحد المحلات التجارية أو المستشفيات أو الصيدليات وغيرها.
تقول والدتهم “أسعى لتوضيح وشرح أهمية الزكاة لأبنائي دائما، وكيف يستطيع الإنسان المساهمة بأعمال الخير حتى وإن كانت بسيطة، ومنها التبرع بالمال سواء لأشخاص فقراء أو لصندوق الزكاة، الذي أصبح أمرا بديهيا لا يترددون بوضع المال فيه”.
كما أن والدة الطفل ليث (9 سنوات) استطاعت إقناعه التبرع بالهدايا التي سترده من أصدقائه في احتفاله بميلاده، وبعد موافقته أبلغ أصحابه بأن كل الهدايا التي سيحصل عليها منهم سيقوم بتقديمها لجمعية خيرية، ونجح ما خططت له الأم وولدها.
شعر ليث بالفخر والسعادة جراء هذا العمل الخيري المميز، وظهر أمام أصدقائه بفكرة إيجابية لم ينفذها رفاقه من قبله، ومع مرور الأيام تطمح والدته لأن يبادر من تلقاء نفسه بمثل هذه الأعمال.
التربوية اقبال محمد ، تقول “إن ديننا الحنيف يستشهد بأدلة حية على التبرع بالمال، مثل الزكاة إذا مورست بصدق وهنا الطفل يلمس دور الأهل أثناء إعطاء النقوط والتهادي والتحابب، فيغرس شعور بالألفة والتكريم كما يتم في العيد أو في مناسبة النجاح”.
أما الوسائل التي يمكن استخدامها فهي مشاركة الأبناء في سبب العطاء، هل هو زكاة أم فرحة نجاح أو زواج، فيجب أن يتم الحوار البناء لإطلاع الطفل على نوع العطاء لغرس القيمة في الطفل إن كان واجبا اجتماعيا منبثقا عن قناعة دينية أو واجب اجتماعي أو هو هدية للتحابب بغض النظر عن قيمة المبلغ، وفق بورشك.
وعن دور الهيئة التدريسية في تعزيز هذا المفهوم أيضا، تقول “إن الهيئة التدريسية تتناول الموضوع في المنهج بشكل مثال للحل في درس الرياضيات أو درس الدين كنموذج على الزكاة واحتسابها واستغلال مناسبة أو حدث لجمع مبلغ رمزي لشراء هدية لزميل أو معلمة أو للأم.. وهكذا”.
وتشير محمد إلى أن الزكاة ترد البلاء كصدقة، والهدية تغرس المحبة وتكرم الروح البشرية ولو أننا لا نكرم من نقدرهم ونكرمهم ولكنها توثق العلاقات، تغرس الثقة بالنفس والتواصل البناء وتكون عائلة متعاضدة ومتحابة.
الخبير الاجتماعي د. حسين الخزاعي، يقول “للأسرة دور كبير في تعليم الأبناء وتنشئتهم على حب عمل الخير في المجالات الإنسانية كافة، وإن التبرع والعطاء والشعور مع الآخرين يجسد لديهم حب التواصل والتكافل وحسن التعامل مع الآخرين”.
وفي هذا الصدد، يركز الخزاعي على التنشئة الاجتماعية من خلال القدوة الحسنة من الآباء والأمهات للأبناء؛ إذ إن الأبناء يقلدون الآباء والأمهات في كل سلوكياتهم.
وعلى الأهل تعليم الأبناء أهمية التبرع وشرح الفوائد الإيجابية للتبرع لهم، وفق الخزاعي، وإن التبرع يخفف معاناة وآلام وحاجة الآخرين، وإن التبرع يقوي العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، ويؤهل جيلا من الأبناء يعتبرون قدوة حسنة ونماذج إيجابية للآخرين.
ويشير الخزاعي إلى أن التبرع فيه راحة نفسية عند المتبرعين ويقوي تماسكهم بالمجتمع ويحل مشكلات كثيرة لديهم ويشجعون الآخرين على التبرع، ومن خلال التبرع يتعرف الأفراد على مشاكل المجتمع.
ويضيف “يتعلم الأبناء أيضا حسن استخدام المصروف اليومي الذي يأخذونه من الأهل، بدلا من إنفاقه في مجالات غير مفيدة”.

التعليقات معطلة