باسكال بونيفاس
قررت باريس الترشح لاستضافة الألعاب الأولمبية لعام 2024. وهذا القرار، الذي استغرق اتخاذه وقتاً طويلًا، يحظى بدعم عام في الأوساط السياسية والاقتصادية وبين السكان، غير أنه كان ثمة الكثير من التردد على خلفية السؤالين التالين: هل من الحكمة تخصيص مبالغ مالية كبيرة لتنظيم الألعاب الأولمبية في وقت لم تخرج البلاد من الأزمة الاقتصادية؟ ثم أليس من الخطر الترشح، بعد ثلاثة إخفاقات متتالية (2004 و2008 و2012)، مع ما ينطوي عليه ذلك من إمكانية التعرض لخسارة مذلة جديدة؟
غير أن قرار الإقدام على المغامرة اتُّخذ في النهاية. وتبلغ الميزانية التي خصصت لهذا الغرض 6 مليارات يورو، نصفها توفره اللجنة الأولمبية الدولية بينما يأتي النصف الثاني من المجموعات المحلية (البلديات) والدولة الفرنسية، ولكن أيضاً من القطاع الخاص ومن الشركات التي ترعى هذا الحدث الرياضي العالمي. وبالتالي فهي ميزانية أقل بكثير من الـ11 مليار يورو التي اعتمدتها لندن، ولكنها مماثلة للميزانية التي رصدتها طوكيو. والجدير بالذكر هنا أنه بعد الجدل الذي أثير حول التكلفة المرتفعة جداً لألعاب بكين وسوتشي، باتت اللجنة الأولمبية الدولية اليوم واعية بحساسية هذا الموضوع، وحريصة على ألا تبلغ تكلفة تنظيم هذا الحدث مبالغ خيالية.
وبعد سلسلة الإخفاقات السابقة، بما في ذلك الخسارة المؤلمة أمام لندن في 2012، حرص الفرنسيون هذه المرة على تنظيم أنفسهم حتى يكونوا أكثر فعالية لأنهم أدركوا أن كون فرنسا هي بلد بيير دي كوبيرتان (مؤسس اللجنة الأولمبية الدولية)، أو القول إن فرنسا لم تحظ بشرف تنظيم الألعاب الصيفية منذ 1924، لا يكفي وحده للحصول على شرف استضافة الألعاب. ولاشك أنه قد تم القيام بعمل حقيقي خلال الترشحات الأخيرة بخصوص التفكير في جهود استمالة وإقناع البلدان المصوِّتة، وما يمكن أن يجلبه تنظيم الألعاب في باريس لروح الألعاب الأولمبية وأهدافها، غير أن تلك الجهود كانت تُظهر المسؤولين السياسيين وتهمل الرياضيين. ولذلك، تم إنشاء لجنة فرنسية للرياضة الدولية يديرها برنار لاباسي، الرئيس السابق للاتحاد الدولي للروجبي الذي نسج علاقات جيدة في الأوساط الأولمبية، رفقة توني إيستانجي، الحائز على الميدالية ثلاث مرات في الألعاب الأولمبية والعضو في اللجنة الأولمبية الدولية.
والحق أن فرنسا تمتلك إمكانيات ومؤهلات كثيرة لصالحها، إلا أن الفرنسيين يُعتبرون من الشعوب الأكثر قلقاً بشأن المستقبل. وهذا التشاؤم هو العقبة الرئيسية أمام إقلاع البلاد وتقدمها. فكيف يمكن علاج هذا الأمر؟ الواقع أن اختيار باريس مدينة مستضيفة لألعاب 2024 يمكن أن يوفر مصدراً للتفاؤل الجماعي. كما من شأنه أن يساهم في تعبئة آلاف المتطوعين وملايين المشاهدين لأن احتضان الأحداث الرياضية الكبيرة يعتبر عاملًا كبيراً للإشعاع الدولي. إذ مع الألعاب الدولية، ستعود باريس إلى مركز العالم.
وباريس، مدينة الأنوار، معروفة على صعيد العالم، وهي تخاطب الخيال الجماعي العالمي، ربما أكثر من منافستيها هامبورغ وبوسطن. صحيح أن روما مدينة جذابة أيضاً، ولكنها لا تحظى بدعم داخلي كبير مثل باريس. وفي عالم يسير بثبات نحو التعددية القطبية وحيث باتت المنافسة محتدمة في كل مكان، لا يمكن القول إن الجاذبية شيء مضمون وأكيد لأنها تحتاج لعمل دائم ومستمر. ومن خلال تسليطها الضوء على إمكانيات باريس ومؤهلاتها، فإن من شأن الألعاب الأولمبية أيضاً أن تعيد تلميع صورة العاصمة الفرنسية وتلعب دوراً مهماً في الترويج لها. كما يمكنها أن تسرّع عملية تحويل شكل العاصمة الفرنسية وتأمين الاستثمارات المتوقعة لمنطقة باريس الكبرى. وعلاوة على ذلك، تتيح الألعاب فرصة أيضاً لتقوية النسيج الصناعي والاقتصادي وتساهم في تسريع التنمية لتجديد المدينة والجهة معاً. كما أن تحديث البنى التحتية ووسائل النقل ومنشآت الإيواء يعزز قدرات استقبال السياح ويثير اهتمام المستثمرين. وعلى سبيل المثال، فإن ألعاب 2012 غيّرت شكل لندن بفضل برمجة ذكية للاستثمارات في تجهيزات دائمة ومؤقتة على حد سواء. وإذا تم التخطيط لها بشكل جيد، فإن استضافة الألعاب ستتطلب تمويلًا محدوداً ومربحاً.
وخلاصة القول إن تنظيم الأحداث الرياضية العالمية أضحى عاملًا مهماً للإشعاع الدولي لأي بلد من البلدان لأن الرياضة عنصر رئيسي في «القوة الناعمة». وهناك دبلوماسية رياضية تساهم في الدبلوماسية العامة للبلدان. واستعداداً لهذا الترشح على ما يبدو، أحدث وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس قبل عام منصباً جديداً هو سفير للرياضة.

التعليقات معطلة