ديفيد سيمون
حين كتبت «ذا كورنر» (الزاوية)، وهو كتابي الثاني الذي رويت فيه وقائع تعقب شرطة بالتـــيمور عـــصابات المخدرات وبني عليه المســــلسل التــــلفزيوني الذي يحمل الاسم نفسه، رأى بعض مفتشي الشرطة أنني خنتــهم هذه المرة. فأنا لم أروِ الوقائع والحـــوادث من وجهة نظر شرطة بالتيمور المثالية، بل رويتها من وجهة نظر من تتعقبهم الشرطة وتطاردهم. وكانت المطاردة، في أوائل التسعينات (من القرن العشرين)، قاسية وعنيفة. فبعد خمسة أعوام من الاستقصاءات التي سبقت كتابة «بالتيمور»، الكتاب والمسلسل التلفزيوني، بعث وباء الكوكايين الحمى في اقتصاد المخدرات ببالتيمور وقلب حياة السود في الغيتو رأســـاً على عقب. وبينما قامت تجارة المخــــدرات من قبل على دزينتين من الأســـواق العلنية، شغلت هذه التـــجارة أكثر من 1000 مفترق طرق في الأعوام التــالية. وكانت المفرزة الجنائية تحقق في 240 حادثة قتل في السنة، فاضطرت إلى التحقيق في 300 جريمة. وتقلصت نسبة الجرائم التي انتهى المحققون إلى جلاء غوامضها، فدب القلق في المسؤولين وأصابهم ما يشبه الهلع.
ومنذ عهد قائد الشرطة الجنائية، دونالد بوميرلو، تردت قيادة أجهزة الشرطة في بالتيمور، وبلغت حضيض التفاهة. ولم يخرج هذا إلى العلن، ويظهر ثمنه، إلا حين احتدمت حروب الكوكايين. ففي أوائل ثمانينات القرن العشرين، اقتصر عمل قائد الشرطة على تعقب مدخني القنب الهندي أو الخشخاش في ساحات المدينة. وغالباً ما كانت الشائعات تقود إليهم. ولم يكن على قائد الشرطة أن يكون يقظاً أو داهية. وبعد عقد من الزمن انقلبت فيه الحال، صار لزاماً على رأس الشرطة أن يكون قائداً حازماً. واضطرت المدينة، لأول مرة منذ 1966، أن توظف قائد شرطة من خارج أسوارها، وأوكلت إليه مهمة القيام بـ «تعزيل» كبير. وهذا ما قام به توماس فرايزر، القادم من سان جوزي، على نحو مـــريع. فهو كان واثقاً ثقة مفرطة بكفاءته، وحـــطمت قيادته مفرزة بالتيمور الجنائية، ولم تبق منها شيئاً.
فهو لم يحتسب وجود سلسلتي رتب في أجهزة الشرطة الأميركية: السلسلة الأولى قوامها الرتب الرسمية والمعروفة، وتحمل العرفاء على مناشدة الملازمين، وهؤلاء على الانحناء أمام الرواد، والرواد على الجثو أمام العقداء، وتحمل العقداء على تملق نواب قائد شرطة المدينة. وسلسلة الأمر هذه لا غنى عنها وعن شكليتها، ولا يجوز ازدراؤها أو إهمالها. والسلسلة غير الرسمية، وهي ليست أقل ضرورة من الأولى، ركنها الكفاءة، وترعى علاقات التقنيين ومعاملاتهم، وتستحق احترامهم. وهذا، أي الإقرار بسلسلتي الأمر والرتب، هو ما يعرِّف مفوض المفرزة الجنائية.
وحال قدومه إلى بالتيمور، أعلن فرايزر عزمه على فرض المداورة على ضباط الشرطة، واختصر خطة تجديد السلك الأمني في هذه المداورة. وأمر ألا يبقى الشرطي الواحد في عمله أو وظيفته أكثر من 3 سنوات. ولم يأبه لما يعرفه العاملون في السلك وهو أن الأعوام الثلاثة هي أقل الوقت الذي يحتاجه المفوض، والمحققون والتقنيون، ليتمكن من الإلمام بعمله وبلوغ مرتبة الفاعلية فيه. وضرب صفحاً عن أن المداورة تتهدد المكانة المهنية التي يتمتع بها أعضاء المفرزة الجنائية بالتقويض. وسوغ فرايزر قراره بسجله المهني الشخصي، وقال أنه كان يصاب بالتعب والضجر حين تتجاوز مدة اضطلاعه بمهمة أو وظيفة الأعوام الثلاثة.
وطردت المداورة من المدينة بعض أفضل شرطييها، فتولوا أعمال التحقيق لحساب الحكومة الاتحادية أو لحساب الأقضية القريبة. وحين سألتُ فرايزر عن رأيه في خسارة بالتيمور مفوضين مثل غاري شايلدز وكيفين ديْفيس، وقلتُ أنهما جديران بحمل فريق عمل على عاتقهما، أجاب: ولماذا ينبغي أن يحمل أحد على عاتقه فريق عمل؟ ولماذا لا يكون كل عضو في المفرزة الأفضل بين أقرانه؟ وفي نهاية المطاف، جُمع الفريق المختص بجرائم القتل إلى المفرزة الجنائية في الطبقة الخامسة، ودمج فيها، وأوكل إلى 30 شرطياً إضافياً التنقل بين ملفات التحقيق. فزاد عدد المفوضين وتقلصت المسؤوليات. وحين يتلقى اليوم مفوض مكالمة تبلغ عن جريمة قتل فالأرجح أنه يجهل مَن الفريق المولج بالتحقيق جهله بمؤهلات هذا المحقق أو ذاك. وغلب على فرق التحقيق رجال لم يمض على مزاولتهم التحقيق فوق السنة الواحدة، بينما كانت فرق التحقيق لا تعد أكثر من شرطيين مبتدئين يرعاهما زملاء مجربون.
وبعد أعوام على هذه الحال تردت نسبة جلاء القضايا إلى أقل من 50 في المئة، وبلغت نسبة الأحكام بالإدانة إلى حوالى نصف هذا الرقم. وشأنها في دوائر الخدمة العامة الأخرى، حين ترحل الكفاءة فمن غير رجعة. وهذا ما خبرته في صحيفتي، «بالتيمورصن»، مع رحيل ستروك ووُلتين وألفاريز وليتوين وتومبسون وليتمن وهايمن إلى «نيويورك تايمز» و «واشنطن بوست»، بعد أن حملهم على الرحيل صلف رسمي شبيه بذاك الذي طرد أمثالهم كفاءة من الشرطة. وفي أثناء محادثتي المفوض غارفي المستقيل من شرطة بالتيمور، في المقصف، أدرَكتُ فجأة أمراً غريباً: في أميركا ما بعد الحداثة ينتهي الأمر، أياً كان السلك الذي تخدمه – جهاز شرطة – أم صحيفة، حزباً سياسياً أم كنيسة، إنرون (شركة النفط) أم وورلدكوم (شركة الاتصالات)- إلى التخلي عنك، وفض اليد منك.
وقادني تفكيري في المسألة إلى أن هذه المادة الاجتماعية يونانية، مصدرها إسكيلوس أو سوفوكليس (صاحبا المآسي اليونانية الكبيرة)، ويتحدر أربابها من الشركة أو السلك وليس من الأولمب. فعالمنا، على أي وجه قلبته، عالم لا شأن فيه للأفراد، أكانوا مفوضي شرطة مجربين أم مراسلين موثوقين، بائعي مخدرات عركتهم السنون أم عمال مرفأ من الجيل الثالث أو بائعات هوى من أوروبا الشرقية يعملن من غير ترخيص. ومنذ أن انتبهت إلى هذا الأمر انصرفت إلى كتابة حلقات المسلسل التلفزيوني «ذا وايير» (السلك).وبعد عشرة أعوام على كتابتي «ذا كورنر» و «ذا وايير»، لم يستقبلْني السكان في بعض أحياء بالتيمور بحفاوة. فالعملان صورا المدينة ومشكلاتها بألوان قاتمة. وأثرت مشاهد الجرائم في الترويج للمرفق السياحي سلباً. وعلى نقيض ذلك، يبدي الأهالي فخراً ظاهراً لانتمائهم إلى مدينة متماسكة وقوية، على رغم العنف الفظيع والمزمن الذي يعصف بها. والحق يقال أن «بالتيمور» (الكتاب ثم المسلسل) كان رداً حاداً وبصيراً على إهمال المشكلات المدينية وتفشيها على الصعيد الوطني، وبرهاناً على طاقتنا المدنية والوطنية لمعالجتها أو لجبهها من غير تستر ولا مبالغة. وهذا لا يكذب شعار المدينة الترويجي: «إذا لم يسعك العيش في بالتيمور فلن يكون في مستطاعك (العيش) في مكان آخر». فالإقامة هنا تشعرك بالمثال المدني الوطني الذي لم يحطمه تراكم الفقر والعنف وسوء التدبير واللامبالاة والتبديد.
واقترح أحد أهالي بالتيمور، ساخراً، شعاراً ترويجياً جديداً للمدينة:» نحن في بالتيمور، يا عزيزي (عزيزتي)… حذار الرصاص!». والأرجح أن مفوضي الشركة كانوا ثمنوا الممازحة الساخرة حق ثمنها، وثمنوا فوق ذلك المزاج الذي يلد مثل هذه الممازحة. وقبل 15 عاماً، حين كنت أجلس إلى حاسوبي من غير حيلة ولا فكرة، كانت الآراء والأحكام الوحيدة التي أحتسبها هي آراء مفوضي الشرطة وأحكامهم. فإذا قرأوا وارتأوا أن ما أكتبه مستقيم وصادق، تخففت من الشعور بالخجل الذي يخلفه تناول نثرات من الحياة الإنسانية وعرضها على الاشهاد والأنظار.
وأنا أكتب هذا، لا يغيب عن بالي أن بعض من رويتُ وقائع سيرهم أثناء عملهم تنضح أقوالهم وأفعالهم بالميول والأقوال العنصرية، وبازدراء النساء والمثليين، ويصدر مزاحهم عن فقر الآخرين ومأساتهم. ولكنهم بإزاء جثمان قتيل، أكان أسود أم مولداً خلاسياً أم أبيض (وهذا نادر)، يتولون العمل من غير تمييز ولا ترجيح. وقبل سنوات قليلة قرأت مقابلة مع ريتشارد بن كرامر، الصحافي السياسي المعروف. وسئل عن رأيه في المرشحين إلى الانتخابات الرئاسية الذين روى وقائع حملاتهم، وتقديره بعضهم، فأجاب:» أقدرهم؟ بل أحبهم». فألّى له (أو لي) أن يكتب 900 صفحة، ويتناول الأمور والحوادث من حيث هم، إذا لم يحبهم حتى آخرهم وأدناهم مكانة.

التعليقات معطلة