فيليب ستيفنز 
حصلت بريطانيا على حكومة محافظين، بعدما فنَد ديفيد كاميرون استطلاعات الرأي وجعل المختصين في استطلاع الآراء يبدون وكأنهم أغبياء مصدومين بتوقعاتهم – وأنا كنتُ منهم. تسبب زعيم المحافظين في فوز حزبه الصريح الأول منذ أن استطاع السير جون ميجور تحقيق الخدعة نفسها في عام 1992. ربما يكون الأمر أكثر من مجرد صدفة أن يكون كاميرون الشاب أحد مساعدي رئيس الوزراء آنذاك.
ينبغي عليه استغلال اللحظة. روت الانتخابات أيضا قصة دولتين – اسكتلندا التي سلَمت نصرا مؤزرا لنيكولا ستيرجين، زعيمة الحزب الوطني الاسكتلندي، ومعها إنجلترا التي التصقت بحزب المحافظين ضيق الأفق على نحو متزايد. إن تدمير حزب الديمقراطيين الأحرار، الوسطي، أدى إلى تضخم الإحساس بالاستقطاب، وثمة أوقات خطرة تلوح في الأفق- لبريطانيا ولمحافظي كاميرون. هناك سؤالان كبيران سيكون لهما دور في تشكيل السياسة في بريطانيا: المستقبل الهش لاتحاد البلدان الأربعة، وعلاقة المملكة المتحدة الغضوب بشكل دائم مع بقية دول أوروبا. بالنسبة لكاميرون، هما يعدان فقط بتجارب ومحن. قد يرى التاريخ المغزى الحقيقي للانتخابات في الاصطدام بين الاسكتلنديين الناهضين والإنجليز المستائين.
النصر الساحق الذي حققه الحزب الوطني الاسكتلندي كان متوقعا على نطاق واسع، والنتائج ليست أقل زلزالية لهذا السبب. أعادت الانتخابات طرح المسألة التي كان ينبغي أن يتم تسويتها من خلال التصويت بـ “لا” في الاستفتاء على الاستقلال العام الماضي. جنبا إلى جنب مع قبضتهم على الحكومة ذات الصلاحيات في إدنبره، يمتلك القوميون الآن 56 من أصل 59 مقعدا اسكتلنديا في وستمنستر. وللمرة الأولى منذ الجدال حول سيادة الوطن الأيرلندي في مطلع القرن الـ20، أصبح هناك حزب يصرح بنزعته القومية ثالث قوة في برلمان المملكة المتحدة.
ويحتفل الحزب الوطني الاسكتلندي بعودة كاميرون إلى داونينج ستريت. لقد شهدت الانتخابات تحول اسكتلندا يسارا وإنجلترا يمينا. لا شيء أفضل من ذلك يمكنه ملاءمة قصة ستيرجين الماكرة عن اسكتلندا التقدمية المقيدة للأبد من قبل إنجلترا التي يقودها المحافظون. هنا يجب على كاميرون أن يتعايش مع عواقب حملته الخاصة. هناك عديد من الأسباب وراء تصويت إنجلترا للمحافظين – وليس للبديل المطروح من زعيم حزب العمال، إد ميليباند: الاشتراكية في بلد واحد. لكن الخبراء الاستراتيجيين المحافظين كانوا غير خجولين في إثارة جذوة القومية الإنجليزية من أجل تحييد حزب استقلال المملكة المتحدة وتأجيج المخاوف بين المترددين بأن حكومة العمال قد “تخون الثقة وتبيع نفسها” للاسكتلنديين.وبمجرد انطلاقها، يكون من الصعب كبح جماح مثل تلك القوى- خذ مثلا عودة سياسة الهوية الشعبوية عبر أجزاء كبيرة من القارة الأوروبية. لا يمتلك المحافظون الإنجليز الذين قرروا قبل وقت طويل أن بريطانيا يجب أن تغادر الاتحاد الأوروبي أي مشاعر قوية للاتحاد مع اسكتلندا. ويشجعهم في نزعتهم القومية الضيقة أداء حزب الاستقلال البريطاني، الذي ضمن مقعدا واحدا فقط في وستمنستر، لكن حصته البالغة 13 في المائة من الأصوات الوطنية ستواصل سحب المحافظين نحو اليمين.
ربما يكون هناك مسار خلال حقل ألغام تفويض السلطات يؤدي إلى مكان تتوافق فيه تطلعات الاسكتلنديين لأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، مع اهتمامات الإنجليز بتوزيع عادل للسلطة والموارد عبر المملكة المتحدة. ربما يكمن ذلك في مكان ما بين الفيدرالية التقليدية والترتيبات المختلطة التي حكمت الاتحاد خلال القرون الماضية. ولا ينبغي لأحد النظر إلى مدى الأناقة أو المساواة المطلقة.
مع ذلك سيجد كاميرون نفسه منضما لمجموعتين من المفاوضات: مع كتلة القوميين في وستمنستر بقيادة زعيم الحزب الوطني الاسكتلندي السابق، أليكس سالموند، ومع المقاعد الخلفية للمحافظين التي تطالب بأن يقابل كل تنازل لإدنبره خطوة مماثلة نحو حكومة ذاتية إنجليزية. في هذا الطريق يكمن تفكك الاتحاد.
لن يكون من السهل تسوية العلاقة مع أوروبا، وهنا يكون كاميرون هو مؤلف محنته الخاصة به. ومرة أخرى عليه أن يرضي مجموعتين من الأصوات المتنافسة. وعن طريق المطالبة بتسوية جديدة وتحديد موعد نهائي في عام 2017 لإجراء استفتاء للبقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، جعل رئيس الوزراء من نفسه رهينة لكل من شركائه الأوروبيين والمتشددين المناهضين للوحدة الأوروبية في حزبه. ستقول له أنجيلا ميركل، الألمانية، يجب أن تكون هناك حدود صارمة للنزعة الاستثنائية البريطانية، وكثيرون في حزبه سيقولون إنه في غياب عملية إعادة كتابة القواعد الأساسية لنادي الاتحاد الأوروبي، يجب على بريطانيا الانسحاب.
يعود إلى الأذهان النصر الذي حققه السير جون ميجور، وبالكاد كان قد عاد إلى داونينج ستريت عندما وجد رئيس الوزراء آنذاك نفسه يتعرض للتعذيب من قبل المناهضين للوحدة الأوروبية، المعارضين لمعاهدة ماستريخت. وقد وصفهم بأنهم “سفلة”، حتى في الوقت الذي شعر فيه أنه ملزَم باستيعابهم في حكومته. الفرق بين ذلك الحين والوقت الحاضر هو أن عدد “السفلة” ازداد الآن، وفي ظل الاستياء السائد هذه الأيام، فإنهم يرون أمامهم فرصة للنصر. خلال فترة قريبة بما فيه الكفاية، سيبدأ كاميرون الانتحاب والبكاء على ضياع التأثير المعتدل لشركائه في الائتلاف من الديمقراطيين الأحرار. كاميرون، المتسامح في نصره، استبدل وعدا بتضميد الجراح باللغة الخطابية القاسية أثناء الحملة. 
وبذلك يكون قد عزف بالضبط على النغمة المناسبة. لكن هناك أشياء قيلت ولا يمكن سحبها. لم يعد ضربا من التوهم أن نتخيل اسكتلندا وهي تغادر بريطانيا، وبريطانيا وهي تغادر أوروبا.

التعليقات معطلة