المستقبل العراقي/متابعة 

قصص ومواقف كثيرة وربما غريبة نتناقلها بيننا فقط لمجرد أننا سمعنا عنها ممن حولنا أو حدثت بمحض الصدفة أمامنا، نرفض أن نشك بمدى صدقها لاقتناعنا بأن الحياة لديها الكثير من المفارقات والمفاجآت التي لم نعد نستهجنها أو نستبعد إمكانية حدوثها.
ونتجاوز بذلك فكرة إخضاعها لبعض الشكوك التي ستمنعنا حتما من إصدار أحكام عشوائية على من حولنا، الهدف الوحيد منها تجريحهم والإساءة لهم.
ونجهل أن المشهد يحتمل معاني كثيرة غير تلك التي قد نفهمها من القراءة المبدئية العاجزة بعض الشيء عن توضيح تلك الملامح الداخلية للحقيقة. فجميعنا قد نرى المشهد نفسه، لكن طريقة تحليلنا له هي التي تحدد وجهة نظرنا الخاصة في القضية المطروحة أمامنا، سواء كانت نظرة متحيزة أو حيادية أو مناهضة، فالحقيقة واحدة نحن من نمنحها تفسيرات متعددة تتواءم مع أهوائنا ورغباتنا.
في حياتنا اليومية كثيرا ما نلتقي بأشخاص يعجبنا حديثهم الآسر الممتع، لدرجة أننا قد نجد أنفسنا منقادين لهم بدون حتى أن نفكر فيما إذا كان حديثهم المتقن والمنمق حقيقي فعلا، أم هو مجرد كلام أجوف ليس له أساس من الصحة القصد منه جذب أكبر عدد ممكن من المستمعين إليهم لاستغلالهم أو ربما لإقناعهم بأن لا شيء في الواقع يدعو إلى الاستغراب.
ونحاول بذلك إبعادهم عن الشكوك، كونها تتيح لهم مساحة للتفكير يستطيعون من خلالها حماية أنفسهم وتجنيبها الكثير من الآلام والمتاعب، ليظلوا منبهرين بما يقولونه، مصدقين أكاذيبهم الملفقة والمحبوكة بعناية، البعيدة تماما عن كل ما من شأنه أن يثير الشك والخوف على الأقل بالنسبة لهم.
فهم لا يهتمون بآراء الآخرين، ويرفضون قطعا تدخلهم أو تقبل نصائحهم على اعتبار أنهم دائمو الشك في من حولهم، لا يكتفون بالنظر إلى القضية من زاوية واحدة، بل على العكس تماما يفضلون قراءتها من جميع الزوايا، حتى يكونوا مستعدين للنتائج المتوقعة كافة، التي قد يترتب عليها خسارتهم لبعض الأشخاص الذين تعريهم الأزمات وتكشف معادنهم.
وحتى وإن كانت حياتنا داخل دائرة الشك مربكة، إلا أنها ضرورية أحيانا ومهمة، حتى نستطيع منع أنفسنا من التورط في بعض الأخطاء الكبيرة، وذلك من خلال الشك البسيط المقبول الذي يمنحنا فرصة التأكد من تفاصيل دقيقة تمكننا من رؤية الحقيقة كما هي، بعيدا عن المبالغة وتضخيم الأمور بإعطائها أكثر مما تستحق لكي لا يتحول الشك بالنسبة لنا من طبيعي مقبول إلى آخر مرهق يلازمنا في كل المواقف بدون أي استثناءات، لدرجة أننا قد نشعر بصعوبة كبيرة في التواصل مع من حولنا جراء لجوئنا للشكوك المفتقرة لدليل مقنع يثبت حقيقة استغلال الآخرين لنا ومحاولتهم إيذاءنا.
ذلك الأمر يجعل تلك الشكوك محصورة في زاوية واحدة، وهي عدم الثقة بولاء أقرب الناس إلينا، لذا قد نجد أنفسنا مترددين في إطلاعهم على أسرارنا، خشية من أن تستخدم يوما ما ضدنا، مصرين دائما على افتراض النوايا السيئة في تفسير أحداث نرغم على العيش داخلها، تاركين العنان لخيالنا أن يختلق قصصا ليس لها وجود في الأصل، مبنية في أساسها على الأوهام الاضطهادية، لاعتقادنا بأن هناك مؤامرات ومكائد تحاك من أجل تحطيمنا.
القليل من الشك يجعلنا أكثر حذرا وتوازنا عندما نريد استقراء الحقائق، لهذا السبب نحن بحاجة إلى أن نصغي جيدا إلى ما يقوله العقل ويستشعره القلب، لنستطيع تقييم تصرفات الآخر بإنصاف وشفافية، مقررين الاحتفاظ بمن نحب حتى لا نضطر إلى التعايش مع مشاعر الندم والوحدة، القادرة دائما على فتح منافذ الشك رغم حصولنا على الإجابة، إلا أن استسلامنا للشك، يدفعنا إلى أن نعقبها بسؤال لا ينهي أبدا الحيرة بل على العكس تماما يبقيها حاضرة في كل الأسئلة.

التعليقات معطلة