امين يونس
لستُ مُتزَمِتاً ولا تقليدياً أكثر من اللازم .. فحتى بعد تجاوزي الستين من العُمر ، فأنهُ من العادي بالنسبةِ إلَي، أن تتخلَل الجلسات مع الأصدقاء ، بعض القفشات المَرِحة او حتى النكات التي فيها بعض البذاءة ، بين الحين والحين ، لترطيب الأجواء ، والإبتعاد مُؤقتاً عن الأحاديث السياسية اليومية ، المُتعِبة والمُحبِطة . ولكن أن تتحّوَل الجلسة ، بالكامل ، الى ساحةٍ ، لِسَرد الغزوات الجنسية والإفتخار بِما اُنجِزَ في حانات بيروت وملاهي تبليس ومحلات المساج في بانكوك … الخ ، فأن ذلك إسفافٌ في نظري ، ونَمَطٌ لا أستسيغه .
……………………
أيضاً ، هنالك بعض الذين يعتمرون أقنعة « اليسار والتقدُمية « ، يتصورون ، ان الحديث الرئيسي ، في لقاءاتهم ، ينبغي ان يدور ، حول الإلحاد والتهجُم على الأديان بأساليب رخيصة ، ويتفاخرون فيما بينهم بأنهم بالضِد مِنْ كُلِ إيمانٍ .. ويتوهمونَ ، بأن ذلك كافٍ ، لأن يكونوا ثوريين وتقدُميين ! . وإذا طلبتَ منهم ، أن يُناقشوا « الفكر « ويبرهنوا على صِحة ما يعتقدون ، فأنهم يتهربون ببساطة ، لأنهم على الأغلَب لايفقهون شيئاً ! . وفوق ذلك والأمَرُمن ذلك ، فأن البعض من أمثال هؤلاء ، مُنافقون أيضاً ، فهُم خارج الجلسات ، يتملقون رجال الدين ، بل حتى يُمارِسون الطقوس الدينية .
والبعض الآخر ، يعتقد بأن الذي لايشرب الويسكي والعَرق والبيرة ، فليسَ من المعقول ، أن يكونَ مُتمدناً .. بل ، كُلّما أفرطَ ، كانَ ذلك دلالةً على أنهُ مُتمَرِد وثوري درجة أولى ! . وإذا قلتَ لهُ : من الأفضل ان تكون مُعتِدلاً في شُربِكَ … ينتفِض ويقول لكَ بأنكَ رجعيٌ مُتخَلِف ! .
……………………
لا أدّعي بأنني قديس … فأنا مثل معظم الناس ، قمتُ وأقومُ وسأقومُ … بِما تتطلبهُ حياتي اليومية ، من مُمارسات وأفعال ، قَد لاتُرضي البعض … لكنني بالتأكيد ، لا أفعلُ ذلك ، على حساب الإعتداء على حُرية « الآخَرين « في مُعتقداتهم وأفعالهم . وأحاوِل (قَدر الإمكان ) أن أكون صادقاً مع نفسي ومع الآخرين .. فلا أتظاهَر في نَدوةٍ عامّة ، بأنني مُثقّفٌ مُلتَزِم وأتكلمُ عن القضايا الكُبرى .. ثم بعد ساعاتٍ فقط ، أتحمسُ في جلسةٍ خاصة ، للإسهابِ في حديثٍ تافهٍ لايليق ! .
………………….
أسمعُ بأشخاصٍ ، تكون محاور الحديث في جلساتهم ، حول الجنس والإلحاد وشرب الخمر فقط ، وهم بعيدون كُل البُعد ، عن « التمدُن والتقدُمية والثورية « .. فهُم في الصباح التالي ، يُمارسون السُلطةَ في مقراتهم او دوائرهم ، على أسوأ ما يكون الإستبداد والفساد .. ورجعيون ومتخلفون في التعامُل مع عوائلهم ومع المُحيط الإجتماعي .
التمدُن والتقدُمية والثورية … لاتشترط أن تكون مُبتذلا في أقوالك ، أو سكيراً او مُلحداً .
فالتمدُن والتقدمية والثورية … إسلوبٌ راقٍ لمُمارسة الحياة .