المستقبل العراقي / عمر الجفال
نشر الموت علاماته في المدن العراقيّة كافّة، فأينما تذهب وتلتفت تجد هذه العلامات. وإذا ما كنت في بغداد تطالعك أينما اتّجهت لافتات سوداء تغطّي جدران المدينة، معلنة أسماء موتى قضى بعضهم في الحرب ضدّ تنظيم «داعش»، وأغلبيّتهم من فصائل الحشد الشعبي بجانب القوّات الأمنيّة، فضلاً عن أسماء قتلى الانفجارات خلال الأشهر الثلاث الماضية وضحايا المعارك العشائريّة الّتي ازدادت في الآونة الأخيرة.
لقد أصبح الموت جزءاً من الحياة اليوميّة في حياة العراقيّين، وهو لا ينفكّ عن التربّص بهم في الشوارع والسّاحات والأسواق، مختطفاً حياة المئات كلّ شهر.
وفي واقع الحال، فأنّ الوضع الأمنيّ لم يهدأ منذ غزو العراق في نيسان من عام 2003، والعمليّات الإرهابيّة ضدّ السكّان المدنيّين تزداد شراسة. كما أنّ تنظيم «داعش» بات يسيطر على نحو ثلث مساحة البلاد، ممّا يفرض جوّاً من الكآبة والخوف.
وهذا الواقع فرض تعاملاً جديداً مع مفهوم الموت، فهو السرّ المغلق الّذي بات الناس يرفعون الكلفة معه. وعلى سبيل المثال، أخذت أغاني التعبئة ضدّ تنظيم «داعش» تتغنّى بالموت، وغنّى أحد المطربين الشبّاب، صلاح البحار، أغنية مفادها أنّ الموت صار أليفاً بالنّسبة إليه، وقد التقط صورة معه لشدّة معرفته به.
هذا الموت المجانيّ، كان قد دفع المواطن العراقي سعدون الفتلاوي، أثناء الاقتتال الطائفيّ الّذي اندلع بين المجموعات المسلّحة في العراق بين عامي 2006 و2007، إلى شراء أرض ليدفن فيها هو وأولاده في مقبرة وادي السّلام في محافظة النّجف، إذ كان يخشى حينها ألاّ يجد مكاناً يدفن فيه، بعد أن صار يشاهد الموتى بأمّ عينيه يملأون الأرصفة والطرق كلّ يوم.
لقد اشترى الفتلاوي، وهو رجل متقاعد كان يعمل في وزارة التجارة، أرضاً في تلك المقبرة تكفي لدفن نحو 6 أموات، بمبلغ 500 دولار، إلاّ أنّه فوجئ حين أراد شراء أرض لشقيقه تقع بجانب أرضه أنّ سعر الأرض ارتفع إلى أضعاف منذ ذلك الوقت. اشترى الفتلاوي الأرض عام 2007، وحاول شراء أرض لأخيه منذ نحو ثلاثة أشهر.
وفي حديثه عن أسعار الأرض في المقبرة، قال الدفّان في مقبرة وادي السّلام علي العميّة الكعبيّ إنّ «أسعار الأراضي ارتفعت بعد سقوط مدينة الموصل في حزيران العام الماضي إلى نحو 3 آلاف دولار عن القبر الواحد».
ويمثّل الكعبي ظاهرة عراقيّة جديدة، بعد أن نشط على موقع التّواصل الإجتماعيّ «فيسبوك»، ونشر صور القبور وعرض أسعارها، فضلاً عن إعلانه تخفيضات على دفن قتلى فصائل الحشد الشعبيّ.
ويقوم الكعبي، البالغ من العمر 35 عاماً، بدفن نحو 3 موتى يوميّاً. وقد توارث مهنته عن والده وأجداده، ويبدو أنّه يحتفظ بأعداد الموتى الّذين دفنهم، إذ قال «لقد دفنت منذ 15 عاماً وحتّى الآن نحو 5 آلاف جثّة». وأكّد أنّه كان «فقيراً ومعدماً» قبل البدء بالعمل على إعلانات في فايسبوك، وقال «إنّ الترويج في صفحته على فيسبوك جاءه بزبائن، وصار معروفاً».
وفي الواقع إنّ صفحة الكعبي على «فيسبوك» حظيت بمتابعين فاقوا الـ30 ألفاً، ولفت إلى أنّ شيوخ العشائر المعروفين بدأوا يتواصلون معه من أجل دفن موتاهم والحصول على أراضٍ أقرب إلى تربة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأسعار جيّدة. وتُعدّ مقبرة وادي السّلام من أكبر المقابر في العالم، وتضمّ نحو 7 ملايين قبر، وتمتدّ على مساحة 17 كلم مربع، وهي آخذة في الاتّساع نظراً لازدياد أعداد الموتى بسبب العنف.
ويحظى الكعبي باستهجان كبير من المجتمع العراقيّ لأنّه يطالب من خلال منشوراته بالدّعاء له بالرّزق، إلاّ أنّه يواجه هذا الأمر بالسخريّة قائلاً إنّ «الدفّان مهنة مثل أيّ مهنة أخرى، فأنا أسامح كلّ من يشتمني في صفحتي على فيسبوك».
وعلى هذا الأمر، يعلّق الباحث الإجتماعيّ نشوان محمّد حسين ويقول إنّ «دفن الموتى مهنة لها مردود إقتصاديّ، ولكونها مرتبطة بالموت فهي تثير حفيظة الناس. وليس غريباً أو معيباً أن تكون للدفّانين صفحات على مواقع التّواصل الإجتماعيّ ما دام هذا يساعد على تنشيط أرباحهم».
وعن ظاهرة شراء الأراضي في المقبرة، قال حسين «من الغريب أنّ يهتمّ العراقيّ لمكانته الإجتماعيّة حتّى في قبره»، لافتاً إلى أنّ «من لا يدفن في مقبرة وادي السّلام أو في مكان خاصّ فيها سينتقده المجتمع أو ينظر إليه بنظرة فيها شيء من الإزدراء».
وأكّد حسين أن «العرف الدينيّ الدّاعي إلى دفن الموتى في هذه المقبرة جعل المساحات تتقلّص، ممّا دفع بالكثيرين إلى شراء الأراضي لأنفسهم قبل موتهم كي يضمنوا مكاناً لهم في هذه الأرض المقدّسة».