بيتر أورسزاج
يرى العديد من الخبراء أن التفاوت الكبير في الدخل الفردي بالولايات المتحدة والفوارق الاجتماعية الصارخة إنما مردهما إلى الاختلاف الكبير بين الشركات في الأجور والتعويضات، ولكن ما الذي يسبب هذا التباين القائم بين الشركات؟ وهل تعتمد الشركات ذات الأجور المجزية سياسة مختلفة عن الآخرين، أم أنها فقط تسند الوظائف البسيطة والمتدنية إلى شركات متعاقدة فيما يعرف بالتعهيد المحلي؟ حسب هذا المنطق ليس التفاوت في الدخل سوى نتيجة بديهية لتعهيد الوظائف المتدنية التي يقوم بها العمال إلى شركات أخرى ليبقى فقط أصحاب الوظائف الوسطى والعليا ذات الأجور الكبيرة. بل إن هناك من يقول إن لجوء الشركات الأميركية لتعهيد مهامها إلى شركات أخرى أصبح هو الملمح الأساسي للاقتصاد الأميركي.
ولكن ذلك لا يبدو صحيحاً وفقاً لأستاذ الاقتصاد بجامعة بوسطن، ديفيد ويل، الذي أوضح في كتابه «مواقع العمل المتشظية» أنه، وإن كانت ظاهرة إيكال المهام الثانوية مثل الأمن والسكرتارية وغيرها إلى شركات أخرى، باتت موجودة فعلًا كأحد ملامح الاقتصاد، إلا أن تأثيرها ضعيف ولا يمكنه تفسير الفروق المتسعة في الدخل، ولاسيما فيما يتعلق بتأثير التعهيد الداخلي على مجمل الاقتصاد، فقد أثبت الباحثون في مكتب التحليل الاقتصادي التابع للحكومة الفيدرالية أن نسبة التعهيد المحلي لم ترتفع سوى بنسبة 12 في المئة من المدة الفاصلة بين 1997 و2006، ما يعني أن حصة التعهيد المحلي في مجمل الاقتصاد أضعف من أن يفسر التفاوت الاجتماعي، هذا ناهيك عما تشير إليه الأبحاث من أن عدد العمال لم يرتفع خلال تلك الفترة ممن لابد من موافقتهم سواء من خلال العقود طويلة الأمد، أو المؤقتة لحساب تأثير التعهيد على سوق العمل.
وتظل الخلاصة أن فوارق الدخل في أميركا لا يمكن إرجاعها إلى عوامل فنية تتعلق بسياسات الشركات، أو البحث عن أجوبة في التعهيد المحلي الذي يقول بانتقال العمال الأقل أجراً إلى شركات بعينها، بل يجب البحث عن الأجوبة في السياسات العامة المرتبطة بطريقة إدارة الاقتصاد ومساهمة الشركات في توزيع الدخل الذي لا يقتصر فقط على أصحاب الأسهم، بل يعني أيضاً مختلف المتدخلين في مجمل عملية الإنتاج.

التعليقات معطلة