حسب الله يحيى
بعجالة لم تستأنف توظيف العقل، يجيب البعض على هذا السؤال بــ(نعم) والبعض الآخر بــ(لا). وما بين (لا) و(نعم) ضرورات ـ ولا اقول ضرورة واحدة ــ الى العقل والحكمة والدراية والانفتاح لمناقشة هذا التضاد بين الرفض والقبول. الرافضون الذين يستخدمون (لا) بطريقة قطعية جازمة، يتخذون من اسلوب الزعيم الهندي انموذجا في مقارعة المستعمرين والطامعين بأرضنا بطريقة سليمة، وعن طريق محاربة الخصوم اقتصاديا، وقد افلحت طريقة غاندي فعلا في كساد الاقتصاد البريطاني.. وبات كل مواطن هندي يفضل انتاج واقتناء الحاجات والمستلزمات التي به حاجة اليها من موطنه، بحيث اصبح شعار (صنع في الهند) اسمى وابهى مقتنيات الهنود. اما اولئك الذين يصرون ويؤكدون على حاجتنا الى العالم ويستخدمون (نعم) بإلحاح عجيب، كما لو ان بلدان العالم باتت رئة نتنفس من خلالها، وليس بوسعنا العيش من دون العالم الخارجي. وما بين (لا) و(نعم) هناك اهمية في المناقشة. فلا احد يشك بجدوى الاسلوب الوطني لغاندي ونجاحه في زمانه، ولا احد يشك ابدا في استجابة الشعب الهندي لنداء زعيمه الوطني، كذلك لا نختلف بشأن حاجتنا الى بلدان العالم، باعتبار ان هنالك بضاعة معينة نحن بأمس الحاجة اليها، وليس بمقدورنا صناعتها محليا، الامر الذي يجعلنا نقتنيها من دون شروط قسرية قد يفرضها البلد المنتج علينا، كالسلاح وأجهزة الاتصال والمعدات والمستلزمات الطبية الدقيقة.. وسواها.الضرورات تلزمنا بفتح نوافذنا على العالم، وليس بوسعنا في هذا الزمان التقني المتسارع العيش في جزيرة معزولة عن العالم كله، ولكن هناك حاجات يومية يمكن لنا انتاجها بانفسنا بحيث نستغني عن استيرادها من الخارج، كالمنتجات الغذائية المختلفة (اللحوم والالبان والخضراوات والحلويات والحبوب) والمنسوجات ومعدات العمل التقليدية والكثير من الصناعات التقليدية. اما استيراد كل صغيرة وكبيرة ومن مناشئ مختلفة وبمواصفات رديئة، فانه يعني بالنتيجة اننا نهدر اموالنا، وننعش اقتصاد بلدان العالم!. نحن بنا حاجة الى العالم، في حال عجزنا عن سلعة معينة الى جانب تبادل الخبرات بيننا، واكتساب ما يفكر به سوانا ومعرفة موقعنا من العالم وموقف العالم منا. وليست بنا حاجة الى العالم عندما يتعلق الامر بسيادة بلادنا واحترام قوانينا السارية المفعول على الجميع بعدالة، ومن المفارقة حقا ان نكون بلدا لا قدرة له على انتاج غذائه بنفسه، فيما نحن نباهي انفسنا بأننا (صناعة حضارة). المسألة مرهونة النجاح بمدى ما نحتكم اليه بعقولنا لا بأمزجتنا ومصالحنا الشخصية، لا مصالح بلادنا التي نزعم اننا نذود عنها بأرواحنا من دون ان يقدم الكثيرون منا يدهم لإنقاذ هذا الهدر الذي نمارسه في حياتنا كل ساعة وكل لحظة ونحن نستعين بكل صغيرة وكبيرة على عالم لم نعد نتعلم منه إلا اقل من القليل!.