ديفيد كرو وكانا إناجاكي
عندما اقتحم ماسايوشي سون، الياباني صاحب المليارات في قطاع الاتصالات، الولايات المتحدة في عام 2013 من خلال انتزاعه حصة مسيطرة في سبرينت مقابل 22 مليار دولار، كانت خطته جريئة كالعادة. فقد أراد الجمع بين ثالث أكبر مجموعة لا سلكية أمريكية مع تي موبايل الأمريكية، رابع أكبر مجموعة، لإنشاء قوة جديدة في الاتصالات من شأنها أن تتصدى للشركتين الرائدتين في السوق: فيرايزون وآيه تي آند تي AT&T. كافحت الشركات الصغيرة للهاتف دائما للفوز بحصة أكبر من فيرايزون وAT&T، اللتين لديهما معا 180 مليون مشترك في خدمة الهاتف اللا سلكي، وأكثر من 70 في المائة من عائدات الصناعة وأفضل تغطية للشبكة. لكن سون الذي يعرف باسم “ماسا”، استطاع أن يرصد وجود ضعف كبير في “الشركتين الكبيرتين”. كانت استراتيجيته واضحة: فيرايزون وAT&T دفعتا أرباح أسهم مكتنزة – من بين أعلى المعدلات في الشركات المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 – وأسهمها هي المفضلة لدى مستثمري الدخل. إذا كانت سبرينت جنبا إلى جنب مع تي موبايل ستطلق حرب أسعار، فإنه تنبأ بأن الشركتين الكبيرتين ستبذلان ما في وسعهما للرد، من خلال التضحية بالعملاء بدلا من الربحية والتدفقات النقدية. وأشارت حساباته إلى أن هذا من شأنه أن يجعل من السهل على سبرينت الحصول على المشتركين بما فيه الكفاية لتصبح تهديدا. بالنسبة لسون، كانت تلك استراتيجية مجربة ومختبرة وسبق لها أن مكنته هو وسوفت بانك، الشركة التي يديرها، من بناء مجموعة الاتصالات الثالثة الأكبر في اليابان. بعد الاستحواذ على الذراع اليابانية لـ “فودافون” في عام 2006، انتزعت سوفت بانك المشتركين من أكبر شركات الهاتف في البلاد، متغلبة بذلك على الشبكة الأضعف من خلال التسويق النشط وخصم الأسعار. ثم حقق سون ضربة كبيرة من خلال اتفاق حصري في عام 2008 لبيع أجهزة آيفون التابعة لـ “أبل” في اليابان، ما عمل على تضييق الفجوة مع منافسيه بسرعة، في الوقت الذي أصبح فيه منتج الهاتف الذكي الأكثر مبيعا في البلاد.
يقول كازوهيكو فوجيهارا، رئيس الدائرة المالية في وحدة الهاتف الجوال التابعة لسوفت بانك في اليابان “ما تحتاج سبرينت إلى القيام به الآن مشابه جدا للتحديات التي كنا قد واجهناها فقط قبل فترة قصيرة. لقد مررنا بهذا من قبل”.
مر تقريبا عامان منذ أن استولت “سوفت بانك” التابعة لـ “سون” على حصة نسبتها 80 في المائة من أسهم “سبرينت”، لكن حلمه بأن يصبح قوة في الاتصالات الأمريكية يظل بالضبط كذلك، مجرد حلم. في غضون أسابيع من إبرام الصفقة، أشار جهاز مراقبة الاتصالات الأمريكي إلى أنه سيمنع الاندماج مع “تي موبايل” على أساس (مخالفة ذلك لقوانين) المنافسة، الأمر الذي حطم آماله في تحقيق النطاق المطلوب لإقامة وجود له صدقية في السوق. وكان أكبر خطأ في حسابات سون هو ثقته بإمكانية الحصول على موافقة لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية على الصفقة، التي أصبحت على نحو متزايد تدخلية في عهد الرئيس باراك أوباما. في عام 2011 عارضت اندماج AT&T و”وتي موبايل”، ومنعت أخيرا عملية استحواذ بقيمة 45 مليار دولار على “تايم وارنر كيبل” من قبل “كومكاست”. ويقول مصرفيون ومحللون “إن اقتران “سبرينت” بشركة تي موبايل ليس واردا قبل أن يدخل رئيس جديد إلى البيت الأبيض في عام 2017”. ويقول كريج موفيت، المحلل في “موفت ناثاسون”، “من الواضح أن ماسا يعتقد أن هناك فرصة لدمج “تي موبايل” و”سبرينت”، لكن الرسالة من الأجهزة المنظمة في واشنطن، على الأقل في عام 2014، كانت أنه على خطأ”. ويضيف “أما بالنسبة لعام 2017، فإننا لا نعلم ما سيحدث”. إن اقتحام أمريكا كان يمكن أن يكون لحظة تتويج في مهنة مستمرة منذ 34 عاما شهدت سون وهو يرتفع من كونه صاحب مشاريع توزيع برمجيات يعاني ضائقة مالية إلى كونه ثاني أغنى رجل في اليابان مع صافي ثروة تبلغ نحو 12 مليار دولار، وذلك وفقا لبلومبيرج. ويشاد به لكونه واحدا من رجال الأعمال الأبرز في اليابان، وتجري مقارنته بوارن بافيت أو بيل جيتس. وكان من المفترض لـ “سبرينت” أن تكون نقطة انطلاق لأخذ “سوفت بانك” خارج اليابان، وبناء شركة اتصالات عالمية وإمبراطورية تكنولوجيا في وقت كانت فيه المجموعات الأخرى، مثل شركة فودافون في المملكة المتحدة، تنسحب من الولايات المتحدة. بدلا من ذلك، أصبح مشروع سون الأمريكي عبئا على أعماله المحلية في اليابان، ما أدى إلى اضطرار “سوفت بانك” إلى إصدار توجيه محرج بخصوص تراجع أرباحها العام الماضي. في السنة المالية 2014-2015، حققت أرباحا سنوية صافية بلغت 5.4 مليار دولار، لكنها مثقلة بخسارة قدرها 1.5 مليار دولار في “سبرينت”. وقد قامت الشبكة الأمريكية المعتلة أيضا بصرف الانتباه عن استثماره الناجح في علي بابا، شركة التجارة الإلكترونية الصينية التي أحدثت صيحة كبيرة، التي تمتلك “سوفت بانك” فيها حصة تبلغ 32 في المائة بقيمة تقارب 70 مليار دولار، وشركات إنترنت ناشئة في الأسواق الناشئة الأخرى.
ويقول محللون “إن “سبرينت” لن تشكل ذلك العائق الكبير على “سوفت بانك” حين تبدأ استثمارات الإنترنت في إعطاء النتيجة المرجوة”. ولكن فشل تغيير مجرى “سبرينت” يهدد بترك علامة سوداء على إرثه وهو يستعد لتسليم السلطة في “سوفت بانك” إلى نيكش أرورا، وهو مدير تنفيذي سابق في “جوجل” أصبح في الآونة الأخيرة رجل سون الثاني وولي عهده.
ويقول شيجيوكي كيشيدا، وهو مستشار الاتصالات في “إنفو كوم”، وهي مؤسسة فكرية مقرها طوكيو “فاز سون بكل المراهنات الكبيرة حتى الآن. يمكن لذلك أن يصبح أول هزيمة كبرى له”.
وعلى الرغم من أن سون معروف بابتعاده عن الرهانات قبل أن تصبح خاسرة، يقول محللون “إن الاعتراف بالهزيمة في “سبرينت” قد يلحق ضررا خاصة بمحاولته تحويل “سوفت بانك” إلى لاعب عالمي”. ويقول نيل أندرسون، وهو محلل لدى بنك HSBC “لا أتوقع منه أن يبيع “سبرينت” لأن الولايات المتحدة تعتبر أمرا حاسما لرؤيته على المدى الطويل”. وأشار تنفيذيون في “سوفت بانك” إلى أن الشركة قد تحاول استئناف سعيها للاستحواذ على “تي موبايل”، قائلين “إنها قد تظل مرنة إذا كانت البيئة التنظيمية ستتغير”. لكن بحلول ذلك الوقت ربما يكون قد فات الأوان. شركة دش، مجموعة القنوات الفضائية التي يسيطر عليها تشارلي إيرجن، دخلت أخيرا محادثات مع “تي موبايل” بشأن الاندماج، وهي صفقة من شأنها أن تعطي إيرغن الفرصة لنشر مليارات من الدولارات من طيف الموجات كان يقوم بتخزينها. و”دويتشه تليكوم” التي تملك حصة أغلبية في “تي موبايل”، يمكن أيضا أن تتطلع لبيع الشركة إلى “كومكاست”، وفقا لأشخاص مطلعين على الموضوع. وأنفق إيرجن مليارات الدولارات لانتزاع موجات الأثير اللازمة لتقديم الخدمات اللاسلكية، لكنه لم يكشف بعد عما يخطط للقيام به معها. وحاول أيضا الاستحواذ على “سبرينت” في عام 2013، لكنه هزم على يد سون. الآن لديه فرصة للانتقام من خلال الاستحواذ على “تي موبايل” وإخراجها من السوق.
وعندما أحبطت خطة الاندماج الكبرى لسون، قرر أن يقوم بإدارة “سبرينت” كشركة مستقلة، حيث تحول إلى مارسيلو كلور، وهو مدير تنفيذي موثوق به، لقيادة هذه المسؤولية. لكن إحداث الانقلاب في مسار سبرينت التي لديها تاريخ طويل يمتد لعقد من الزمن من العملاء والمساهمين المصابين بخيبة الأمل، أثبت أنه أكثر صعوبة مما توقع أي من الرجلين.
كلور، صاحب المليارات الذي ولد في بوليفيا، جمع ثروته من خلال تأسيس برايتستار وتحويلها إلى أكبر موزع في العالم للهواتف النقالة، قبل بيع حصة الأغلبية لـ “سوفت بانك” بمبلغ 1.26 مليار دولار في عام 2013. والمساهمون يتساءلون لماذا حتى إنه قبِل بالمنصب؟ وهي خطوة تعني مبادلة الحياة في ميامي، حيث أصبح شخصية مشهورة من خلال محاولة إطلاق فريق الدوري الرئيسي لكرة القدم مع ديفيد بيكهام، للكدح الصعب في الشركة في مدينة كانساس سيتي، حيث يقع المقر الرئيسي لـ “سبرينت”. عندما أصبح كلور الرئيس التنفيذي في آب (أغسطس) الماضي، وجد الشركة في حالة من الفوضى. ويقول مسؤول تنفيذي لا يزال يعمل في المجموعة “إنه لم يكن هناك اهتمام يذكر بالأعمال الأساسية في الفترة ما بين تولي سون السيطرة ووصول كلور، وهي فترة خسرت “سبرينت” خلالها عقودا مع 1.5 مليون عميل”. بدلا من ذلك، كانت الشركة تركز على تأمين التحالف المشؤوم مع “تي موبايل”. خلال معظم العقد الماضي، كانت “سبرينت” تخسر المال وتفقد المشتركين مثل النزيف. ويقول والتر بيسك، المحلل في BTIG “أعتقد أن ماسا فوجئ بحجم التحدي في “سبرينت”. ويضيف “ربما ترى، بالنظر إلى التحديات على مدى الأعوام العشرة الماضية، أن هناك مستوى معينا من العناية الواجبة لما كان يقحم نفسه فيه”. في آذار (مارس) 2014 – قبل أن تعطل الأجهزة التنظيمية الصفقة، كان سون قد سئل عما سيفعله إذا لم تستطع “سبرينت” الاستحواذ على “تي موبايل”. فأجاب “نحن بحاجة إلى نطاق معين، ولكن بمجرد أن يكون لدينا ما يكفي، فإنها معركة بين ثلاثة أطراف من الوزن الثقيل. أود أن تكون معركة حقيقية، وليس قتالا زائفا. وإذا لم أستطع الحصول على معركة حقيقية، فسأستمر في حرب أسعار هائلة”. من هذا المنطلق وعد كلور بتقليل الفواتير الشهرية للعملاء الذين ينشقون عن فيرايزون وAT&T بمقدار النصف. وتمكنت العروض اللافتة للنظر من وقف نزيف المشتركين، حيث إن 201 ألف مشترك غادروا في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2015، وهو أحدث ربع لها، مقارنة بـ 693 ألف مشترك في الفترة نفسها من العام الماضي. لكن المساهمين يشتكون من أنه من خلال هذه الصفقات السخية، يفترض ألا تفقد سبرينت أي زبائن على الإطلاق. حروب الأسعار لا تأتي بثمن بخس: في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، أحرقت “سبرينت” كميات من السيولة الموجودة لديها، ما أرسل صافي ديونها البالغة أكثر من 900 مليون دولار إلى 29.6 مليار دولار – وهو مبلغ يزيد نحو عشرة مليارات دولار عن رسملتها السوقية. وإذا بقيت الأمور على هذا المعدل فإنها ستنفد من المال في عام 2016. وعندما كشف كلور عن أحدث نتائج سبرينت، قال لـ “فاينانشيال تايمز”، “إن سون سيقف إلى جانب الشركة إذا كانت هناك حاجة لحقن جديد لرأس المال، لدينا مساهم كبير جدا وهو داعم جدا. إذا كانت الشركة تحتاج إلى مزيد من المال، أعتقد أن من شأنه أن يوفر لها ذلك”.
وأصبح التحدي أمام “سبرينت” أكبر صعوبة بكثير من جراء عودة ظهور “تي موبايل”، الشبكة الأمريكية الأسرع نموا. في الربع الأخير، كانت هي المجموعة اللاسلكية الوحيدة التي تضيف عملاء لعقود اشتراكات الهاتف، حيث اشترك فيها مليون شخص تقريبا، في حين فقدت كل من AT&T وفيرايزون وسبرينت نحو 600 ألف مشترك فيما بينها. ويقول فيفيك ستالام، المحلل في معهد أبحاث نيو ستريت “لم يشهد ماسا الانعطاف الجذري لشركة تي موبايل حين كان في الطريق. لقد جاءت الشركة بأسلوب مفاجئ تماما لهذه الصناعة برمتها، ولكن كان ذلك مؤلما للغاية بالنسبة لسبرينت”. والأسوأ من ذلك، أن “تي موبايل” أحيت حظوظها من خلال المزيج نفسه الذي يتألف من تخفيض الأسعار والتسويق اللافت للنظر الذي يحاول كلور أن يطبقه في “سبرينت”. ويضيف ستالام “سرقت “تي موبايل” قواعد اللعبة التي تمارسها “سوفت بانك”. إن خفض الأسعار في “سبرينت” لن يعمل على تغيير قواعد اللعبة على النحو الذي كان عليه في اليابان، لأن “تي موبايل” فعلت ذلك مسبقا”. ويصر كلور على أن هناك مجالا لقوتين تخريبيتين في قطاع الاتصالات الأمريكية، على الرغم من قلة المحللين الذين يتفقون على ذلك، بحجة أن على “سبرينت” الآن الاختيار من قائمة من الخيارات الجذرية. ميزة واحدة تتفوق فيها على منافسيها وهي مخزون هائل من طيف الموجات. أجزاء كبيرة منه غير مستخدمة وقد تكلف مليارات الدولارات لنشرها، لكن يمكن لـ “سبرينت” أن تبيع بعضها إلى واحدة من الشركات الكبيرة، وعلى الأرجح إلى فيرايزون، واستخدام العائدات لتحسين شبكتها ذات المستوى الأدنى. وهذا قد يكسبها الوقت حتى يصبح الوضع التنظيمي أكثر ملاءمة للاندماج مع “تي موبايل”. كما يقول موفيت “نحن ما زلنا لا نعرف ما إذا كانت الأجهزة المنظمة ستسمح بذلك، لكن من الأسهل أن نتصور أنه قد يسمح بذلك إذا كانت “سبرينت” معسرة أو على مقربة من ذلك”. ويقول محللون “إن اقتران “سبرينت” و”تي موبايل” أمر منطقي أكثر من اقتران “دش” و”تي موبايل”، لأن اندماج مجموعات الاتصالات من شأنه أن يولد مزيدا من المدخرات”.

التعليقات معطلة