علي سعدون
كلنا يعرف ان الحرب الباردة القديمة بين القطبين الكبيرين الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفيتي، والتي لم يبق منها سوى مجموعة ادبيات سياسية وتاريخية، قد انتجت بطبيعة الحال ارهاصات ومؤثرات لا تزال قائمة في المحيطين (الدولي والإقليمي)، إذ  يُعد التسلّح والتنافس على تفوقه عند كل منهما على حساب الآخر، واحدا من ابرز سمات تلك الحرب، الى الدرجة التي وجد فيها الاثنان بعد نهاية صراعهما البارد، ترسانة هائلة من الاسلحة المختلفة تتكدس وتشكل عبئا وفائض قيمة عند كل منهما، الامر الذي سيغدو بعد حين، مصدرا من مصادر القوة في (العالم الثالث).. ذلك العالم الذي لن يتردد كثيرا في التسابق والسير على خطى القوتين العظميين في تأمين ترسانة سلاح يوحي بالقوة وامتلاكها. 
بقطع النظر عن اهمية تلك القوة (الطارئة) على منظومته السياسية والستراتيجية، وهو ما شكل عند بعضٍ من دول العالم الثالث، هوساً ونزوعا الى التحدي والصلف، وأحيانا الى التغوّل على حساب جيرانه ومحيطه الاقليمي، كالنظام الفاشي السابق بوصفه أنموذجا متحاربا على الدوام في هذا الخصوص، من خلال خوضه حروبا داخلية وخارجية، لا تزال نتائجها شاخصة للعيان الى يومنا هذا، بل حتى تبعاتها المالية والنفسية والاجتماعية لم تزل تعيد نفسها وكأنها حقبة غير منتهية وغابرة. 
إن الحديث عن القوة والتسلح في العالم الثالث، لا يمكن الخوض فيه إلا باستحضار السبب الرئيس الذي تسبب بوجود هائل لمختلف انواع الاسلحة التدميرية ووفرتها والتفنن في تطويرها، نتيجة للصراع الدولي بين القطبين الكبيرين كما اسلفنا، والذي القى بظلاله على الانظمة العربية والآسيوية غير الناضجة والمفتقدة للتجربة الحقيقية التي تتيح لها نموا وتطورا طبيعيا يتناغم مع حاجتها الاساسية لتأمين نفسها، دون القفز على واقعها المتردي ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، وهي بذلك انما كانت تفتعل بناء القوة وتجهل كيفية التعامل معها، الامر الذي يسوغ لنا نعتها بـ(الأنظمة المراهقة) التي لا تجيد ادارة بلدان يلعب التعصب القبلي والنكوص الفكري والتخلف الكبير ادوارا حاسمة في تشكلها وبنائها، فضلا عن انها ادارات استحواذية وانقلابية، غالبا ما تعمل على اشاعة الرعب والخوف في مجتمعاتها لتتيح لنفسها البقاء لأطول فترة ممكنة، وهو ما ادى الى تقهقر تلك المجتمعات وبقائها على حالها لعقود طويلة.  
وعلى اية، لم يكن لانتهاء الحرب الباردة في عام 1990 صدى واضح في فتور الصراع في العالم الثالث، بل ان العام 1990 نفسه، غدا نقطة انطلاق لصراعات هائلة ومعقدة في محيطنا الاقليمي، بعد ان لعبت القطبية الواحدة التي انفردت بالعالم (الولايات المتحدة الاميركية)، دورا بارزا في تنظيم وترتيب مجريات ذلك الصراع، ورسم معالمه واحتساب نتائجه بالغة الخطورة، والمساهمة فيه وفقا لتطلعاتها ومصالحها غير البريئة في معظم الاحيان، باعتبارات دعمها لأنظمة الاستبداد لفترات ليست بالقصيرة، وتبنيها للوجود الاسرائيلي، وتغليب موازين قوته على حساب محيطه، فضلا عن عدم سعيها الجاد لإنهاء مشكلة الصراع الفلسطيني الصهيوني.
كل ذلك كان يجري بتبعات ومخلفات نتائج الحرب الكونية الباردة، وليس التسليح وحده يعد سمة بارزة في سماتها وملامحها، انما ايضا الهيمنة المطلقة الاميركية على مناطق النفوذ في مختلف بقاع العالم، بعد غياب القوة الشيوعية وانحسار نفوذها جراء تفكك الاتحاد السوفيتي، وانشغالها بمشكلات التحول من الاشتراكية الى الرأسمالية..الخ. 
ما يهمنا هنا، هو موازين قوانا الاقليمية، والتي باتت متغيرة ومتحولة من عقد الى عقد، فبعد انهيار القوة العراقية في عام 2003 نتيجة الحرب الخاسرة مع اميركا، وبالتزامن مع انهيار النظام الديكتاتوري، بات كل شيء عرضة للتحول، خاصة ما يتعلق بـ (الخوف الخليجي) الذي كان يضع نظام صدام في واجهة دفاعات صراعه البارد مع القوة الايرانية الآخذة بالتطور والنمو بسباقها التسليحي الكبير، وبوصفها قوة اقليمية كبيرة ومؤثرة في موازين اي صراع في المنطقة، فضلا عن التحولات السياسية التي انتهت بتغيير الكثير من الانظمة الشمولية وتحييد بعضها، وقلق بعضها الآخر من الانهيار نتيجة الحراك الشعبي في العديد من دول المنطقة.
اقول بعد هذا كله، صار ميزان القوة الجديد في المنطقة يفترض قطبين قديمين وقطبين جديدين، لا يختفي احدهما حتى يظهر الآخر وفقا لمتغيرات الاحداث وتأثرها وقدرته على النفاذ اليها. القطب الاول سيمثله الصراع العربي الاسرائيلي وهو صراع كلاسيكي وتقليدي لن يفضي الى شيء، اذا ما ظلت القوى الغربية الداعمة للوبي الصهيوني، تصر على حمايته على النحو المفرط وتبني في ضوء هذه الرؤية علاقاتها مع الانظمة العربية والإسلامية. 
وهي علاقات غالبا ما تكون مشروطة ومبنية على تغالب مسبق!. 
فيما سيتمثل القطب الآخر بالتصارع الجديد بين التحالف الخليجي المتكئ على الضمانات العربية، ومن ثم التطمينات الغربية، وبين القوة الايرانية التي تكبر وتتسع يوما بعد آخر، وتقلق النظام الغربي لما لها من تأثير وحضور في الستراتيجيات المستقبلية للمنطقة – خاصة بعد انفراج ازمة النووي الايراني –  ووصولها الى تفاهمات معقولة مع الغرب، الامر الذي يجنّب المنطقة صراعا عسكريا لا يمكن التكهن بكوارث نتائجه وتأثيره على العراق بشكل خاص وعلى المنطقة بشكل عام.. وعليه، ووفقا لتراتبية الصراع الجديد وموازين القوى الاقليمية والدولية، يمكننا ان نقرأ الصراع في قطبه الاول (العربي الاسرائيلي) باعتبارات الخرائطية السياسية القديمة، والتي تستعيد الهاجس القومي كلما انبثقت الضغوطات والوقائع في ذلك الصراع الطويل والمتجدد.. فيما يمكننا قراءة القطب الثاني الجديد (صراع التحالف الخليجي والعربي حيال القوة الايرانية) بصراع فقدان الثقة وافتعال الازمات ومن ثم الدخول في السباق التسليحي الذي لن يثمر عنه سوى الغليان الذي يغلف المنطقة برمتها، ويشكل فتيلا جاهزا للاتقاد كلما دعت عوامل العنف والتصارع الى مثله، كما في تجارب حرب الخليج الاولى والثانية.
ان منطقا جديدا من الثقة المتبادلة بين طرفي التسلح الاقليمي الجديد (ايران – الخليج العربي) بوسعه ان يخلق فسحة من السلام والاطمئنان في المنطقة التي ظلت ملتهبة وضاجة بالعنف طيلة العقود الثلاثة الماضية، نقول بذلك وفق محرضات التمني التي باتت شحيحة هي الاخرى بسبب من عدم النضوج السياسي الذي يملأ المنطقة طولا وعرضا، مستحضرين على الدوام المراهقة السياسية والمغامرات الجديدة التي تسعى اليها اطراف عديدة لاسيما (العربية السعودية) التي وضعت مستقبل اليمن وسوريا على وجه الخصوص في مهب الرياح العاتية التي لا يستطيع احد منا اليوم التكهن بنتائجها الكارثية. 

التعليقات معطلة