سايمون شاما 
عندما سمع وليام هازليت عن نتيجة معركة ووترلو، تعرض أعظم كتاب النثر الإنجليز في عصره لحالة يأس بحيث إنه أصبح مخمورا. وكان انتقامه هو عبارة عن كتاب ضخم غامض ممل (يقع في عدة مجلدات) عن سيرة نابليون، أدت إلى دفن أو طمس الإمبراطور تماما أكثر مما قد يسببه ضريح في مقبرة الإنفاليد (التي تضم قبور المشاهير). حتى بين أولئك الذين يمقتون ويكرهون المنتصرين الرجعيين بقدر كرههم للإمبراطور المستبد، كان هازليت واحدا من فئة قليلة.
بالنسبة للجمهوري الراديكالي، شيلي، أصبح نابليون الثوري مجرد حاكم تافه آخر. وعندما سمع بتهوفن بأن نابليون أعلن نفسه إمبراطورا، مزق الصفحة التي كتب عليها عنوان السمفونية الثالثة (إيرويكا)، التي سبق أن أهداها إلى بونابرت، قائلا “اتضح أنه مجرد شخص عادي من البشر. الآن هو أيضا سيدوس بالأقدام حقوق الناس، وينغمس فقط في طموحاته”. مع ذلك، ومهما كان عدد السهام التي صوبت إلى قلب أسطورة نابليون، فإنها ترفض الاختفاء. صورة العبقري العسكري، الإداري العظيم الذي أعاد تشكيل أوروبا، جاعلا إياها مناسبة وملائمة للعصر الحديث، لا تزال موجودة إلى الآن. إنه يشكل موضوع البرامج التلفزيونية المشهورة التي تشيد به، ويعتبر مثالا على القائد من النوع الغائب تماما في أوروبا التي تعصف بها الأزمات. في الفترة الأخيرة بلغت الجرأة بسيلفي بيرمان، السفيرة الفرنسية إلى المملكة المتحدة، أن تدَّعي أنه لو كان نابليون يعيش اليوم لكان قد حارب للحفاظ على الاتحاد الأوروبي، على اعتبار أنه كان مدفوعا بحلم “أوروبا الموحدة”. ربما يكون ذلك صحيحا، إذا كانت فكرتك عن أوروبا الموحدة هي أن تكون كيانا تابعا مملوكة كليا من قبل إحدى العائلات العسكرية، بحيث يجلس الإخوة والمارشالات المختلفون على عروشها، وأن تكون على شكل إمبراطورية استبدادية واسعة يديرها البيروقراطيون والعسكريون من الثكنات، وجميعها ممولة من “التعويضات” المفروضة على المهزومين باعتبارها فاتورة تُدفع مقابل “تحريرهم”، وأن تُنقل روائع الأعمال الفنية – لوحات روبنز وفيرونيزي وتيتيان – إلى متحف اللوفر في باريس، المدينة الوحيدة المناسبة لتكون عاصمة الثقافة في العالم، وأن تؤخذ القوة البشرية في بلدك إلى كارثة نائية في الثلوج الروسية، أو في المرتفعات المحترقة في إسبانيا بمجرد نقرة من إصبع الإمبراطور. لا يمكن أن يكون هناك خلاف على أن نابليون هذا، المنقذ المفترض للحرية والمساواة، وكلها ملتفة في ألوان ثلاثة، كان العدو الخالد للحرية. في عام 1799، عندما تسلم الجنرال ذو الـ 30 عاما السلطة من خلال انقلاب “18 برومير”، كانت توجد 70 صحيفة في باريس. قال بونابرت إن هناك حاجة إلى واحدة فقط – صحيفة “المونيتر”، الأداة الرسمية للدعاية الخاصة به – وأغلق الصحف الأخرى كلها ما عدا مجموعة من الصحف التي يديرها المتملقون المتزلفون. كانت شرطته وجواسيسه في كل مكان، يعملون على توهين الحياة الثقافية في باريس. كانت المسارح تغلق في اللحظة التي تتجرأ فيها على عرض مسرحية يمكن أن يُشتَمَّ فيها أي شيء يمكن تفسيره على أنه ناقد للنظام. كانت باريس نابليون معرضا للهندسة المعمارية الفخمة، لكنها كانت مقبرة الفن والأفكار التي تأتي من عقول مستقلة. يتنهد أنصار نابليون وهم يفركون أيديهم وعيونهم من الحسرة، ويقولون لا بد من موت الحرية حتى يمكن للمساواة أن تعيش. المساواة، هي طبعا صفة رائعة إلا إن كنت من السود أو كنت امرأة. في عام 1802 أعاد نابليون العبودية، وبعد ذلك بعامين قام بتصفية واحد من أثمن إنجازات الثورة: الطلاق بتراضي الطرفين. جعل القانون المدني من الزوجات سجينات لأزواجهن بشكل أكبر مما كن عليه خلال النظام القديم. لم يعدن يمتلكن أي حق في ممتلكاتهن بعد الزواج وعليهن طلب الإذن من أزواجهن للشهادة في المحكمة أثناء الإجراءات القانونية. كانت الإمبراطورية رجعية اجتماعيا. عملت على إعادة تأسيس الكنيسة الكاثوليكية وقامت بالتودد لأي شخص من الأرستقراطية القديمة كان راغبا في “الاحتشاد” لدعم استبدادها. أبقت المهن مفتوحة للمواهب، لكن القمة في كل شيء – الثروة، والمكانة، والشرف – كان الجيش. وضع نابليون المقياس عشية حملته الأولى في إيطاليا عندما كان يبدو وكأنه رئيس القراصنة، واعدا بالغنيمة، قائلا “أيها الجنود، أنتم بحاجة إلى ملابس أفضل وأجور أفضل، وأنا سأقودكم إلى المناطق الأغنى في العالم حيث تقع كل الثروة والمجد لكم”. انتشرت العسكرة كالسم في المجتمع الفرنسي. استسلم التعليم الذي كان قد تم تحديثه بإلهام من قبل الثورة أمام التوحيد المطلق للمنهج وعبادة الزي الموحد. كان يتم استدعاء الطلبة إلى صفوفهم باستخدام عصا الطبل.
لذلك، عندما تخيلت السفيرة الفرنسية أن نابليون ونظامه كانا نوعا ما بمثابة قالب للاتحاد الأوروبي، كانت قد وضعت يدها من غير قصد على المشكلة. ذلك لأن عادات المركزية البيروقراطية وتفوق النخب الإدارية الذي لا ينازَع، بالتأكيد ليس من السهل أن تزول. تحرك نابليون عبر أوروبا، وخلط وغيَّر الحدود والدول أثناء تحركه، غافلا عن التاريخ والتقاليد واللغات والعادات والمشاعر التي كانت ولا تزال تشكل النبض الدافئ للمجتمع الوطني. بطبيعة الحال تمتلك الوطنية إمكانية أن تكون في كل جزء منها خطرة مثلما هي حال الاستبداد البيروقراطي عندما يتحول إلى قبلية ضيقة وكراهية للأجانب.لكن ينبغي أن  يكون ثمة مجال لالتقاط الأنفاس للمشاعر الوطنية داخل قفص الإدارة الرأسمالية التي تحولت إليها أوروبا المؤسسية تماما. الالتماسات لأجل أوروبا الأخرى، أوروبا المؤلفة من عائلة من البلدان – التي في بعض الأحيان تكون منسجمة وأحيانا متنافرة – لم تكن لتؤثر شيئا في نابليون. كان يمكن أن يتعامل مع مشكلة مالية لشخص آخر والتغاضي عن مشهد الناس المهاجرين في القارب بهزة من كتفه. لكن كان هناك شيء يتسم بالقسوة وعدم الرحمة حول تألقه، الذي أنفقه كليا على نفسه في النهاية. ربما استخدم شاتوبريان تعبيرا أقرب إلى الإنسانية عندما أعرب عن ازدرائه لرومانسية الطاغية، حين قال “ذهب المكابدون ولعنات الضحايا، وصرخات آلامهم”. وهذا هو السبب في أن من المناسب أن نحتفل بمرور 200 عام على معركة ووترلو.

التعليقات معطلة