علي سعدون
لقد بدا واضحا ذلك التحول الجذري في تدخل الدول المارقة في شؤون الدول الاخرى، من خلال تأكيد النزعة الدينية بصبغتها الطائفية الخطيرة، كبديل عن نزعة القومية (الشوفينية) او اوهام حركات التحرر وفق الكاريزما القديمة، وأعني هنا الميول التي كانت دول العالم الثالث تبوح بها علنا حيال القوتين العظميين (اميركا والاتحاد السوفيتي)، والتي ظلت ردحا من الزمن تشتغل بفاعلية قوية ولافتة، بسبب من قوة الهاجس الايديولوجي وشيوعه عند عامة الناس وصولا الى نظرية المؤامرة المعروفة التي تتلخص في ان كل ما يصدر عن اميركا ما هو إلا مؤامرة على بلدان العالم الثالث، وان كل ما يصدر عن الاتحاد السوفيتي من توجهات وتحالفات وتعاون تجاري او اقتصادي او ثقافي، لن يعدو اكثر من مؤامرة شيوعية تستهدف تحديد البلد بفكرة الاشتراكية المغلقة، فضلا عن ايمان تلك الشعوب بالمؤامرة الغربية ورسوخها كظاهرة لا تزال قائمة وفاعلة الى يومنا هذا.
وبالتالي فإن فكرة الاقتراب من اية دولة كبرى سيستدعي بطبيعة الحال، المؤامرة الهائلة والمعروفة النتائج مسبقا.. وعليه فان اهتمام الرأي العام في هذه الفكرة والانشغال بها، أدى الى ظهور قوى اقليمية لن تقل خبثا وتآمرا عن القوتين العظميين (المفضوحتين) في ما يقومان به من فعاليات سياسية واقتصادية في العالم، الامر الذي يشير بطبيعة الحال الى ظهور الدول المارقة التي تستهدف العبث بمقدرات جيرانها والسيطرة عليها من خلال بث الفرقة والتنازع بين ابنائها.
يحدث هذا بقطع النظر عن قوة هذه الدولة او تلك ، المهم ان هناك اجندات تتقدم وتحصد نتائجها الخبيثة والمدمرة في محيطنا الاقليمي، ولنا في توجهات بعض من دول الخليج العربي نماذج واضحة لا تقبل اللبس او الغموض في هذا المسعى.
وان تبريرا من قبيل درء الخطر الناجم عن تنامي القوة المحلية لعدد من شعوب المنطقة واتجاهها نحو امتلاك القوة او النهضة الاقتصادية وغيرها ، لن يكون كافيا ومعقولا ازاء ما تقوم به دول الخليج العربي (صغيرة الحجم) مع جيرانها، بطريقة توحي بعدم نضوج سياساتها – على الاقل – في السنوات الاخيرة .
فضلا عن غياب اي تبرير منطقي وعقلاني ازاء ما تقترفه هذه الدول من افعال في العراق وسوريا واليمن (على وجه الخصوص) وبوتيرة متصاعدة وصلت حد الجريمة السياسية في احيان كثيرة، وهي مستمرة في تغذية الصراع وإدامته بوسائل شتى، لن تتوقف عند الدعم المالي او اللوجستي ، انما وصلت الى العدوان المباشر كما في اليمن .
وعلى اية حال فإننا نقول بالتحول الذي طرأ على تلك الفعالية المقيتة بصورة لافتة ، فبعد ان فشلت محاولات التآمر وفق الاداء القومي والايديولوجي، جرّب هؤلاء سلاحا (نائما) تجسّده العصبيات الطائفية التي تختفي عندما يشح المال، وتهدأ كثيرا عندما يطالها الاهمال فتصبح هامشية وغير فاعلة ، لكنها ستستدعي كل شراستها عندما يقال لها ان تكون حاضرة في المشهد السياسي او الاجتماعي (خاصة في الدول التي تعاني اضطرابا امنيا او اقتصاديا كبيرا) فتعمل هذه القوى (النائمة) على بلورة مناخ جديد ، لن يقوم بفعل الارباك والصدمة السياسية فحسب، انما يتعداها الى ما هو اخطر واكبر بكثير من اعتبارها قوة هامشية تختفي وتظهر تبعا لمصالحها المادية والفكرية ، بل ويصل تحولها الى ممارسة اعتى انواع التنكيل والقتل والسبي والتمثيل بالجثث بإطار لا تستوعبه الاديان ولا الشرائع السماوية مهما اختلفت وتنوعت ردود فعلها حيال الصراع الذي تقوم به مع الاخر .. وربما الى الدرجة التي لم يتصورها (صموئيل هنتنغتون) استاذ جامعة هارفرد في اطروحته المعروفة بصدام الحضارات او الثقافات عام 1993 والتي نوهت الى فكرة الصدام
وتحوله من الايديولوجيا بعد نهاية الحرب الباردة ، الى صراع ستغذيه النزعات الثقافية والحضارية للشعوب والأمم.
غير ان ما يحصل اليوم من اتساع رقعة الجريمة الكبرى على يد الجماعات المتطرفة (الدينية) والطائفية لا يمكن رؤيته او تحديد صورته وفق رؤية (هنتنغتون) او غيره من المنظرين، بعد ان تعدت مشاهد الترويع والارهاب ما لا يحتمله العقل والمنطق وما لم تمهد له دراسات المراكز المتخصصة بهذا الشأن في كل دول العالم ، وهي مراكز تعتمد الرؤية الستراتيجية في طبيعة العلاقات الدولية والمتغيرات الديموغرافية بعد تحليلها وفق المناهج السياسية والنفسية والعسكرية ، ومن ثم اطلاق احكامها من خلال الدراسات المختلفة والمتعددة في هذا المضمار.
لكنها فشلت بطريقة لافتة في قراءة تنامي الجماعات الارهابية المسلحة وفي مقدمتها (عصابات القاعدة وعصابات داعش)، اذ لم تشر تلك الدراسات الى طفرات نوعية في بناء وقدرة تلك التنظيمات بالغة الخطورة ، كما لم تنوه ايضا عن السبل الكفيلة لإيقاف ذلك الاتساع الوحشي والبربري ولا كيفية الحد من نفوذه والتصدي لتغوّله المفرط .
وعلى الرغم من ذلك كله ، هنالك سؤالان جديران بالانتباه في هذا المفصل وهما: الى اي مدى يمكن للدول المارقة التي تدعم الارهاب، السيطرة على تلك الحركات الطائفية ذات العقائد المشوهة والمعتمة والتي لا ترى في الآخر شريكا في الدين او المعتقد او الوطن؟ ومَن بوسعه ايقافها اذا ما استفحلت وتنامت الى الدرجة التي يصل تأثيرها وهوسها وجنونها الى موقظي تلك العصبيات انفسهم؟.
ان الاجابة ببساطة شديدة ستكون ان لا احد بإمكانه السيطرة على هؤلاء باعتبار ان فهمهم للحياة وللوضع السياسي لا يحدده المنطق المعروف في الحركات السياسية والدينية والاجتماعية وفق ما ينقله لنا التاريخ القديم والمعاصر، لان هؤلاء على ما يبدو عصارة التخلف العربي على مدى قرون، وهم حالة متضخمة من التراكم الهمجي والتشويه في الفكر والعقيدة، كان قد مر بسلام في متون التنظيرات السلفية منذ قرون ، وتكدس بطريقة مروعة انتجت هذا الكم الهائل من العصبيات الطائفية والتناشز الفكري، وصولا الى النظرة الظلامية المعتمة للحياة في عيون هؤلاء المارقين والخارجين عن العرف والدين، وبالتالي فهم خارج الحقيقة، حقيقة الكون والتاريخ الانساني الكبير، وان مصير العالم كله اليوم ، بات مرهونا في التصدي لهذا النوع البشري الوحشي الذي لا يقيم وزنا او اعتبارا لأية قيمة انسانية او دينية او تاريخية في حياة الامم والشعوب.