Pdf copy 1

   سايمون كوبر 
يحوي «مرصد جرائم القتل» الجديد، الذي أطلقه معهد إجارابي في البرازيل، قصة سعيدة مألوفة: تراجع الجريمة في العالم المتقدم. في 18 دولة أوروبية، يقول المرصد إن أقل من شخص واحد من كل 100 ألف تعرض للقتل في عام 2010. هذه تعتبر تقريبا أدنى المعدلات المسجلة تاريخيا. أما المناطق الأكثر دموية اليوم فهي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. لكن ما هو مثير، بعض المدن الأكثر تقدما في أمريكا اللاتينية تنضم الآن إلى الاتجاه الذي يتبناه العالم الثري نحو السلام. انخفض معدل جرائم القتل في ريو دي جانيرو نحو الثلثين من عام 2002 إلى عام 2012، أما المعدل في ساو باولو فقد انخفض بنسبة 80 في المائة من عام 2000 إلى عام 2010.
لا أحد يمكنه تفسير ذلك تماما. يعترف مانيويل آيزنر، اختصاصي علم الجريمة في جامعة كامبريدج، قائلا: «ما زلنا بالكاد نستطيع فهم سبب تراجع معدلات الجريمة بشكل مستمر عبر العالم الغربي على مدى السنوات الـ 20 الماضية». ربما كان ظهور الشاشات عاملا مساعدا: الآن يمضي كثير من الشباب الذين يميلون إلى العنف أيامهم في استخدام الـ «واتساب» أو ألعاب بلاي ستيشن. لكن آيزنر وغيره من المفكرين يقترحون تفسيرا رائعا آخر: ابتداء من مطلع التسعينيات، دخلت الدول الغربية عصرا يتسم بضبط النفس. لقد اختار جيلنا السلامة بدلا من الحرية. هذا التفسير يبدو فخما بشكل مستحيل لكنه مقبول. تراجع كثير من أشكال الاضطراب في الغرب منذ التسعينيات. كان معدل الجريمة الإجمالي في الاتحاد الأوروبي «في تناقص مطرد منذ عام 2003»، كما تقول المفوضية الأوروبية. ربما من باب المصادفة، أن الاتحاد الأوروبي شهد في الفترة من عام 1990 حتى عام 2010 «تناقصا ملحوظا في الحالات المسجلة لتعاطي المشروبات الكحولية من قبل الأفراد البالغين»، بحسب منظمة الصحة العالمية. وساعد هذا على تقليل الوفيات الناجمة عن حوادث المرور. ويظهر استطلاع جرائم الإيذاء الوطني في الولايات المتحدة، الذي يسأل الأمريكيين عما إذا كانوا قد شهدوا أية جريمة، انخفاضا نسبته 64 في المائة في العنف الجنسي ضد المرأة خلال الفترة من عام 1995 حتى عام 2010. (أما العنف والاضطرابات في الدول الأكثر فقرا فهي قصة مختلفة تماما).
يعد التراجع في الاضطراب أمرا واسعا ومتعدد الجنسيات، حيث إن أفكارا محددة جدا – مثل أعمال الضبط التي «لا تقبل بأي خروج على النظام» في نيويورك – لا يمكنها تفسيره. يبدو أن أمرا أكبر قد تغير. لفهم هذا، يعود آيزنر وآخرون إلى المنظر اليهودي – الألماني المنسي نوربرت إلياس.
كتاب إلياس بعنوان «عملية التحضر»، جادل بأن البشر أصبحوا أقل عنفا منذ العصور الوسطى. الدول أرغمتهم على اتباع السلوك القويم، وتنامي التجارة شجعهم على ذلك أيضا. من المحزن أن توقيت إلياس كان فظيعا، إذ ظهر كتابه باللغة الألمانية في عام 1939، تماما عندما كانت الحضارة تنهار. لكن اليوم تبدو حجته أكثر صدقية. لدينا الآن أدلة – لم يمتلكها إلياس – على أن جرائم القتل في الغرب انخفضت إلى حد ما على نحو مطرد على مدى 700 عام.
يقول واحد من تلامذة إلياس، الاختصاصي النفسي ستيفين بنكر، من جامعة هارفارد، إن الدول الغربية شرعت في التسعينيات في واحدة من «عمليات التمدن» الدورية لديها. أصبحت الحكومات «تتعامل بقسوة مع الجرائم». وتغيرت الأعراف الاجتماعية أيضا. أما أخلاقيات الستينيات التي كانت تنطوي على «أن تعرج على الجانب الجامح» فقد فقدت رونقها. على أية حال، لم تكن هناك عودة إلى الاستبدادية التي كانت سائدة في فترة ما قبل الستينيات. يذكر بنكر أن ضرب الأطفال وعقوبة الإعدام واصلت فقدانها الدعم. وتحولت المجتمعات إلى الضبط الهادئ، من بروزاك (الدواء المضاد للاكتئاب) إلى علاج إدارة الغضب.
وتشجع الرجال ليصبحوا مربين. وأصبح «الآباء» الجدد يراقبون سلوك الأطفال. يقول آيزنر إنهم علموا العناية وضبط النفس. بقي الشباب في حقل التعليم فترة أطول.
النتيجة هي أننا أوجدنا كائنا من نوع جديد: المراهق صاحب السلوك الجيد. يقول استطلاع الرصد المستقبلي إن عدد المراهقين الأمريكيين الذين يستخدمون المخدرات غير المشروعة تراجع على مدى العقدين الماضيين. وشهدت دول غربية أخرى تحولات مشابهة. هذا الشهر قالت فيف ألبيرتين، عازفة السبعينيات البريطانية المناهضة للمؤسسة، في معرض دالكي للكتاب في أيرلندا: «أنا أعرف الكثير من البالغين بعمر 16 عاما، وابنتي في السادسة عشرة من عمرها. وهم يعملون بجد كبير». كانت كلمة الحرية هي الكلمة الطنانة لجيل ألبيرتين. لكننا اليوم نعيش في أمان لم يسبق له مثيل وسط حماية لم يسبق لها مثيل. معدل جرائم القتل في الولايات المتحدة في أدنى مستوياته منذ عام 1962 لكن الدولة تنفق أكثر من ستة أضعاف على «الخدمات الوقائية» للفرد الواحد مما كانت تنفقه حينئذ، بحسب ما يقول تقرير مؤشر السلام العالمي. إن كلمة «السلامة» كلمة سحرية: كثيرا ما يحظر حرم الجامعات الأمريكية الآن المتكلمين المثيرين للجدل، لأن الطلاب ينبغي أن يشعروا بالأمان، وهذا كان يمكن أن يسبب الحيرة لدى نشطاء الحرم الجامعي في الستينيات. وتستشهد الحكومة بالأمن من أجل التجسس على المواطنين، ومعظم المواطنين يتقبلون ذلك. يقول بنكر إن عالما غربيا واحدا من الاضطراب بقي حيا: مجال الترفيه. ألعاب الفيديو العنيفة وموسيقى الراب والإباحية على الإنترنت موجودة في كل مكان. لكن، يقول بنكر، إن معظم مستهلكي هذا النوع من الترفيه لا يخلطون بين ذلك وبين بالواقع. في الواقع، الترفيه العنيف الحقيقي – كما هو الحال في لعبة الهوكي على الجليد – يولد الغضب بشكل متزايد. وسائل الإعلام المهووسة بهاجس الأمن هذه الأيام تشجع على الخوف الدائم. الأدلة تشير إلى عصر يتسم بضبط النفس.

التعليقات معطلة