علي حسن الفواز
وسط تداعيات أمنية خطيرة في المنطقة بات الحديث عن موقف دولي حقيقي من الإرهاب أمرا قارّا ولازما، لوضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وأمام طبيعة الاخطار التي يشكلها تضخم الظاهرة الإرهابية، مقابل هشاشة الإجراءات المتخذَة إزاءها، وضعف مايسمى بالتحالف العسكري الدولي الذي  تقوده الولايات المتحدة في تحجيم هذا الخطر، حدّ أن الأمر أضحى مثيرا للجدل، وباعثا على الريبة من أن تُسخدم الجماعات الإرهابية لأغراض ووظائف سياسية في المنطقة، وهو مايعني إرباك كل الخطط التي يمكن وضعها وتنفيذها، أو حتى الحفاظ على معطيات امنية سيادية في هذا البلد أو ذاك، فما يحدث في تونس والكويت وما كان يحدث في العراق وسوريا ولبنان ومصر واليمن يضع الجميع أمام واقع أمني جديد، وأمام واقع سياسي ملتبس!! فهل أنّ التحالف الدول جاد في التصدي للإرهاب؟ وهل ان الضربات الجوية التي نسمع عنها تكفي لتجاوز عقدة الخوف من تمدد الظاهرة الداعشية؟ وماهي طبيعة التصورات الأميركية حول مستقبل المنطقة؟ وماهي طبيعة تحالفاتها، وحجم معرفتها بالجهات الداعمة للإرهاب دولا أم جماعات؟.هذه الأسئلة تثير عصفا ذهنيا عند الكثيرين حول ما يجري، لاسيما وأن دخول (دول الخليج) في لعبة الاستهداف التكفيري بات موضوع له مقاصده، لأن المستهدف في الهجمات الإرهابية هم (الشيعة) فقط، وتحت يافطات تبثها وسائل التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الفضائية بتهديد وجودهم الاجتماعي والطائفي، مع ضعف الإجراءات التي تتخذها الدول المعنية لمواجهة ذلك وحماية الناس من الإرهابيين، لا إعلاميا ودينيا، ولا حتى أمنيا وثقافيا.. وكأن ما يجري يحمل معه رسائل أميركية وإقليمية سياسية أكثر منها رسائل طائفية وبدوافع تقصد الضغط على إيران، وهذا الربط الغرائبي بين المكون الشيعي في العديد من البلدان العربية وبين إيران تعوزه الموضوعية والمهنية، لأن هذه المكونات جزء أصيل من شعوبها، وأحسب أن السكوت الأميركي والغربي وحتى العربي على مايجري للشيعة في البحرين مثال واضح على هذا الوهم، وعلى ان خلف هذه المواقف دوافع سياسية، رغم أن الجماعات الإرهابية تسعى إلى فرض أجندتها على المنطقة، وعلى طبيعة خنادقها السياسية والأمنية والصراعية.
العراق وأميركا والحلول الأمنية
الطروحات الأميركية حول الواقع الأمني في العراق لا تحمل معها أية التزامات بالاتفاقية الستراتيجية بين العراق وأميركا، ولا تضع حماية العراق على رأس أولياتها، وربما هناك خلف (الأكمة) كما يقول البلاغيون من أسرار سياسية، ومن ضواغط لها علاقة بالداخل العراقي، لاسيما مع ظهور الحشد الشعبي الذي يعبّر في جوهره على إرادة عراقية لحماية الوجود، وإيقاف المد التكفيري الذي بات يرسم خارطة جديدة للمنطقة. وطبيعة الحشد الشعبي وتشكّل وحداته القتالية ليس ضد أميركا، ولا ضد أحد في المنطقة بقدر ما هو حالة وطنية ورد فعل وطني على ما جرى، فضلا عن كونه رؤية واضحة للمرجعية الدينية في استشراف خطورة المعطيات الأمنية وإلتباساتها السياسية والأمنية.العراقيون بدؤوا يفقدون ثقتهم بالتحالف الدولي وبأميركا، وبات الشك واضحا بعد التصريحات التي اطلقها عدد من المسؤولين الأميركان، ومنهم الرئيس أوباما، فإطالة أمد الحرب، أو الحديث عن توصيف محدد لها، والحديث عن منع الحشد الشعبي من القتال، وتعويق تسليم العراق المعدات العسكرية اللازمة والمدفوع ثمنها، كل هذا ليس بريئا، وتحول الى باعث للقلق، مثلما وضع السياسة العراقية أمام أفق غائم، وأمام معطيات من الصعب الركون إليها، والتي تتعلق بالسكوت عن خنادق إقليمية لها دور في تأزيم الواقع العراقي، وآخرها موقف الملك الأردني حول الدفاع عن العشائر السنية وتسليحها في غرب العراق دون الرجوع للحكومة، وكذلك المواقف الملتبسة للسعودية وقطر وتركيا وغيرها، والتي بات دورها السياسي معروفا، ودورها الأمني يقوم على إضعاف القوات الأمنية وإنهاكها في حروب استنزاف عبر فتح جبهات عدة في مناطق الصراع. 
 مؤتمر دولي للارهاب
إذا كان المؤتمر الدولي لمكافحة الارهاب والذي عُقد قبل أكثر من سنة في العراق ذا أهداف محددة، فإن العمل على إعادة مراجعة مخرجات هذا المؤتمر سيكون تأكيدا على تواصل حقيقي في متابعة تلك الأهداف، والعمل على بذل جهود استثنائية، وفاعليات عملياتية لإنضاج عوامل الجدية الدولية في مواجهة الإرهاب، وفي تعظيم معاني قناعة دول العالم بخطورة هذا الارهاب، مثلما أن توسيع مديات المشاركة في المواجهة الدولية ومن مختلف دول العالم يعني ايضا الاحساس المشترك بمسؤولية الخطورة ازاء تداعيات تضخم الظاهرة الارهابية وتأثيرها على العالم اجمع.إن تنامي  الوعي بطبيعة الارهاب، يتطلب نظرة موضوعية من الجميع، والتعاطي  مع  فكرة الحشد الدولي على أساس أن الإرهاب يهدد العالم، وأن وضع أطر وخطط عملياتية لهذا الحشد لا تخضع للحسابات السياسية، أو لملفات صراعية إقليمية، بل يجب أن تكون على وفق مصداقية مشاركة القوى الدولية والاقليمية والمحلية في مواجهة الخطورة المهددة للسلم المجتمعي ومنها الحشد الشعبي، مثلما  هو العمل  على وضع برامج اجرائية لهذه المواجهة، وتوسيع مديات المشاركة الثقافية والامنية لصناعة رأي عام  ضاغط وفاعل من جهة، واتخاذ القرارات الضرورية لتجفيف منابع الإرهاب والتكفير على المستوى الدعم اللوجستي والإعلامي والثقافي والمادي، والحديث بلغة واضحة عن فضح الطبيعة الاجرامية التي يمارسها الارهابيون بكل مستوياتهم، والذين يمثلون اليوم اكبر خطر بنيوي يهدد العقل الاجتماعي، ويهدد الامن والسلام والتعايش المشترك، فضلا عن ما يفرضه الارهاب من سلوكيات تدميرية تدمر المجتمعات والجماعات وقيم التعايش، وتفرض افكار التطرف والغلو والتكفير على الآخرين، واخضاعهم لانماط من التخلف والجهل والحياة المعتمة بعيدا عن التمتع بأية خصوصية، او الاحساس بالاختلاف، وبالحقوق المدنية بالحريات والامان والسلام، لاسيما الأطفال والنساء، إذ أكدت الإحصاءات تجنيد مئات الأطفال للعمليات الانتحارية، وإجبار النساء على القيام بمايسمى بـ(جهاد النكاح) وغيره من الممارسات التي تدخل في إطار توصيف العنف الاجتماعي الممنوع دوليا وحقوقيا.التفكير بعقد مؤتمر دولي ثان في بغداد التي تواجهه اخطر حلقات الارهاب، سيكون رسالة دعم مسؤولة للعراقيين من جانب، ورسالة تحذير لقوى الإرهاب من جانب آخر، فضلا عن كونه يمثل ادراكا عميقا لايجاد  فضاء دولي لمواجهة هذا الارهاب بكل صوره البشعة التي يمثل الارهاب التكفيري اكثرها رعبا. واحسب ان العراقيين الذين وجدوا في التعاضد الدولي فرصة لحشد الطاقات والخبرات والامكانات اللوجستية والامنية، فإنهم اكثر أملا باتجاه تفعيل الاتفاقيات الدولية الداعمة لمواجهة الإرهاب ولتأمين مجالات حقيقية للتعايش الدولي، ولرفض  كل الممارسات المضادة للحقوق، فضلا عن الدعوة للخروج بتوصيات قابلة للتنفيذ، والمكفولة بالمتابعة وايجاد البرامج والخطط الداعمة لها، ومن اجل ان تتحول مواجهة الارهاب الى ممارسة عالمية، والى عملية وعي حقوقي يقوم على الفهم المشترك للتعاون الدولي، والتنسيق في منع نشوء الظواهر التي تضر بمصالح الشعوب وآفاق تعايشها  الانساني، وهو تعايش تسعى الجماعات الارهابية الى خلق ما هو مضاد وعنفي  له من خلال ترويع الناس، واباحة الصراعات الطائفية والدينية بين المكونات، فضلا عن فرض انماط مغلقة من الافكار المضللة المانعة للحــريات وللخصوصيات الهوياتية والثقافية. وأن تبني هذا المؤتمر لاوراق عمل واقعية مسندة بالقانون الدولي  سيكون التعبير  العملياتي عن صدقيّة المواجهة، وعن امكانية الضغط  على كل الدول والجماعات التي تمول الارهاب والارهابيين، واتخاذ اقصى الاجراءات القانونية ضدهم، ومنع الاتجاهات والفتاوى التي يطلقها البعض من خلال وسائل الاعلام او من خلال المنابر الدينية والثقافية والتربوية والتعليمية، والتعاطي معها بوصفها افكارا منحرفة تشوه القيم الحقيقية للاسلام، فضلا عن كونها دعوات  مضادة لحقوق الانسان والتعايش المشترك  بين الدول والمجتمعات. 

التعليقات معطلة