شيرزاد شيخاني
هناك من يعتقد بأن تأسيس تنظيم “داعش” إنما هو مجرد مؤامرة إقليمية استهدفت العراق، فيما يرى الآخرون بأن تأسيسه جاء كجزء من مخطط أوسع يهدف الى بث “الفوضى الخلاقة” في منطقة الشرق الأوسط من أجل إعادة تقسيمها مجددا.. ولكن الأحداث التي تلاحقت بعد نشوء “داعش” أظهرت بأن تهديدات هذا التنظيم الإرهابي لم تقتصر فقط على احتلال أراض عراقية وإعلان دولة خلافة مزعومة عليها، بل أن تلك التهديدات شملت معظم الدول العربية، وانتقلت الى قارتي أوروبا وأفريقيا، وهذا ينفي صبغة المؤامرة الإقليمية ومخططات تغيير الخارطة السياسية بمنطقة الشرق الأوسط.
قد تكون من بين الأهداف تنفيذ مخطط محدد تجاه المنطقة، ولكن اتساع رقعة تهديدات هذا التنظيم، وما قام به خلال فترة قصيرة من نشوئه من تكفير العالم بجميع أديانه ومذاهبه وقومياته وأممه، واعتبار الداعشيين هم الفرقة الناجية الوحيدة، كشف حقيقة هوية هذا التنظيم الإرهابي ومدى تعطشه للقتل والإرهاب وتصفية مخالفيه، مثله مثل أي حزب شوفيني أو حركة فاشية أو نازية تنفي وجود الآخر وتعتبر نفسها العرق الأصفى.أتذكر مشاهدتي لمقطع من فيلم “السفارة في العمارة” للفنان عادل إمام وكانت له دلالات بليغة، وهو المشهد الذي يشدون فيه حزاما ناسفا على بطنه ويطلب الأمير منه الذهاب الى سفارة إسرائيل ليفجر نفسه هناك..ولكي يغريه بالانتحار يقول له أمير الجماعة “ستصل بروحك الى السماء وتلتقي هناك بالشهداء والصديقين”. فيجيبه عادل إمام “لماذا لا تصعد أنت الى السماء وتتركني هنا على الأرض”.؟!.كان هذا التعليق البليغ صائبا وواقعيا، لكنه أثار غضب أمير الجماعة الذي سد عليه الطريق وخيره بين تنفيذ العملية الانتحارية، أو تفجير الحزام الناسف بجسده..وهذا هو ديدن جميع أمراء السوء والكراهية الذين يريدون من الآخرين التضحية بأنفسهم من أجل أن يستمتعوا هم بالجواري الحسان وبتعدد الزوجات وبإشباع غرائزهم الحيوانية.مشاهد الدماء والرؤوس المقطوعة والأجساد المحترقة والممزقة، هي مشاهد مروعة الهدف من بثها على الشاشات هو ترهيب المجتمعات التي هي بطبيعتها لا ترغب بمثل هذه الجرائم، لذلك ترى بأن المجتمعات منذ الخليقة تسعى لوضع قوانين تحرم مثل هذه الأفعال الإجرامية، والأديان بدورها جاءت لتمنع هذه الممارسات، والدين الإسلامي في مقدمة الأديان التي حرمت المثلة والقتل من غير ذنب، بل أنه حرم اقتلاع الشجر فكيف باقتلاع الرؤوس من الأجساد.هذه الثقافات المرضية لا يمكن أن تعيش أو تستقر في المجتمعات السوية، لذلك فإن ما قام به “داعش” خلال فترة حكمه البغيض من السعي لإعادة المجتمع الى الوراء لمئات السنين وإحياء سنن وشرائع الغاب لم يعد مقبولا لدى المجتمعات، لذلك فإن جميع الأمم وشعوب الأرض تقف اليوم صفا واحدا لمواجهة هذا التهديد الداعشي.إن الممارسات الوحشية التي بدرت من التنظيم عبر الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة لجرائم القتل والإبادة الجماعية وحز الرؤوس وحرق الأجساد، عرت الفكر التدميري لهذا التنظيم الإرهابي، وبينت أن مساعي هذا التنظيم لا تختلف عن مساعي جميع الطغاة والبغاة في التاريخ من أمثال جنكيزخان وهولاكو وهتلر وموسوليني وصدام والذين كانت جيوشهم تحرق الأخضر واليابس أينما حلت، هذا الفكر التدميري قد سقط بسبب مخالفة تلك الممارسات لسنن الطبيعة والإنسانية، ولم يبق سوى ضربات محدودة لقاعدة الدولة المزعومة في أوكارها الحالية ليتخلص العراق والمنطقة من أحد أكثر التنظيمات الإرهابية شرورا في التاريخ الإسلامي.إن حرب العراق ضد هذا التنظيم الإرهابي هي حرب البناء ضد الدمار، حرب الضياء ضد الظلام، حرب الحق ضد الباطل، والتاريخ لن يغير ثوابته، ولذلك لا بد أن ينتصر معسكر الحق ضد معسكر الباطل فهذه هي سنة الله التي لن تجد لها تبديلا.