نشوان محمد حسين
بعقيدة الوهابيين أو كما كانوا يسمونهم في حينها بـ”الإخوان”.. حقق “عبد العزيز آل سعود” حلمه في احتلال الحجاز وضمها لملكه في نجد.. بعد أن هزم جيش مكة بزعامة الشريف “حسين بن علي ” ومن ثم ابنه “علي” ما بين عامي 1924-1925.. وبعد أن تحقق له النصر لم يستطع أن يكبح رغبة الإخوان في المزيد من التوسع نحو العراق أو إمارة شرق الأردن الواقعين تحت ملك أولاد الحسين الهاشمي (فيصل وعبد الله) إدراكا منه أن بريطانيا قد رسمت له حدودا وعليه أن لا يتجاوزها.. فاضطر ابن سعود أخيرا أن يدخل في حرب ضد “أبنائه” المتطرفين من الاخوان (هكذا كان يسميهم) وينزل بهم الهزيمة سنة 1929.بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتعرض المنطقة لطوفان الايديولوجيات الشيوعية والقومية، شجع هذا ابن سعود على الاستمرار في الالتزام والانغلاق على الفكر الديني الوهابي باعتباره حلا لتجنب تسلل هذه الأفكار إلى شعبه وقد وجد الغرب في ذلك مصلحة مشتركة تحفظ لهم مبدأ التوازنات التي عملوا عليها منذ بدايات دعمهم لابن سعود.
مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979 دخلت السعودية بذراعيها (الوهابي والبترولي) تحالفا جديدا مع الغرب يضمن مصالح كل منهما خصوصا فيما يرتبط بتحجيم الثورة الإيرانية ومواجهة السوفيت في أفغانستان.. وتعزز هذا التحالف بعد انهيار المعسكر الشرقي ليكون مفتاحا لمرحلة التخطيط والتنفيذ للستراتيجية التي أخذ الغرب يتبناها كجزء حيوي لديمومة النظام الرأسمالي- الامبريالي وكانت السعودية مضطرة في أحيان كثيرة إلى ذلك خصوصا وهي تقف في مرمى جيش صدام المحتل للكويت أو تتعرض لضغوط داخلية وخارجية وهي تتدخل في حروب الشيشان والبوسنة أو ترتب أوراق طالبان الأفغانية. بعد الحدث الأيلولي في اميركا عام 2001 أدركت السعودية الخطر بشكل أكثر من ذي قبل.. فالغرب (الديمقراطي – الإنساني ) الذي لم يكتف بسكوته عن كل مآخذ نظام السعودية المتطرف بل وتحالف معه أيضا.. بل صار ولأول مرة يحشد إعلامه وجماهيره ضد متبنياته الفكرية العقائدية وان كان بشكل غير مباشر فتوجست السعودية حذرا من ضرب أفغانستان وحاولت درء خطر غزو العراق فتصالحت مع صدام ولكن هذا لم ينفع، كما أن مشروع “الربيع الغربي” في المنطقة لم يعد تسعه التحالفات التقليدية ولا ارضاء الغرب هنا وهناك، حتى تبين أن الطاقات التي بذلتها وتبذلها السعودية في العراق لن تصل بقيادات حليفة لها.. وان ثمرتها “السيسي” المصري لم يدرأ خطرا عثمانيا – مصريا كان قد حول عاصمة أجداد ابن سعود “الدرعية” إلى أطلال على يد إبراهيم محمد علي باشا.. بل أن حلفاءها والمدعومين بعقيدتها في العراق وسوريا يمكن أن يكونوا هم الخطر الحقيقي وسيكون “الأسد” الذي خلص صبرها في إسقاطه أفضل لها بكثير منهم بل ومن آخرين تعتبرهم في مدار حلفائها وأشقائها وأن حرب اليمن التي هلهلت لها ربما لم تكن سوى طعم وضعه الغرب لأضعافها وشغلها.. فالوهابيون اليوم باتوا أداة الغرب في التدخل بل وحتى في حروب الإنابة ولعل تطرفهم سيغريهم هذه المرة بالتوجه نحو مكة والمدينة وسيكون الأردن – وهو السليل المتبقي للشريف حسين – اللاعب الأول في ذلك تحت تأثير سحر الماضي وهو يحاول إعادة ملك أجداده الذي سلبه منهم ابن سعود في الحجاز وستكون المفارقة مميزة ان تم هذا بنفس العقيدة التي استخدمها ابن سعود!! وقد يتوسع اليمنيون من جديد ليعيدوا ضم نجران التي كانت تحت سيطرتهم ذات يوم.. ولن تفيد وقتها محاولات الرياض في كسب تأييد حكومة بغداد كما أنها سوف لن تجد الوقت الكافي للانتقام من التآمر القطري. الأردن .. تلك الدولة التي اقتطعت من ولاية الشام وأضيف لها بعض الأراضي الحجازية لتكون حاميا فعالا لظهر “إسرائيل” المكشوف ومن ثم تستقبل الفلسطينيين المطرودين وتذوّب هويتهم فيها ومن ثم حقوقهم.. هذه الدولة قامت لأول مرة وبذراع ملكها بحمل الراية الهاشمية التي كانت علم أجداده في دولتهم الحجازية وهذا بالتأكيد ليس فعلا بريئا في عالم السياسة. عموما شعور السعوديين بالخطر توضح من خلال خطابهم الإعلامي الذي صار ينتقد بوضوح وقوة أفكار وسياسات “داعش”.. فضلا عن تحركهم دوليا للتقارب مع روسيا وتنسيق المواقف بخصوص سوريا واليمن… هذه الخطوات وغيرها قد تعطل التقسيم لوقت معين أو تغير بعض إحداثياته ولكنها لن توقف مشروع القائمين على هذا العالم الذين قسموا أوروبا ثلاث مرات في قرن واحد (بعد الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة) ولا أعتقد أن تقسيم الشرق الأوسط سيصعب عليهم في ظل شعوب لا تجيد سوى الاستهلاك وتعتاش على ثقافة الثأر والانتقام، غير أن الحرب ستطول كثيرا وتتجول من بلد لآخر حاملة معها حقائب التقسيم القابل للتعديل، والصهاينة يدركون بأنه ليس هنالك شعب يهودي كاف لشغل خارطة “إسرائيل الكبرى” لذا سيكون من الأفضل شغلها بزعامات تمثل “إسرائيل” وان لم يكونوا يهودا وبهذا سيتم ضرب رف عصافير كامل بحجر واحد (والشرح يطول)!.