جمال جاسم أمين
صار من السائد اننا كلما راجعنا خطاطة الحداثة والتقدم التي نصف بها بعض الدول والجماعات اليوم نذهب وبلا ادنى شك الى جهود افذاذ ومفكرين من نوع (نيتشه) و(ماركس) و( فرويد) و( هيدغر) واسماء اخرى لمكتشفين ومخترعين ساعدوا في الاعلان عن بداية عصر الانسان بعد ان عملت اليوتوبيا زمنا على تأجيله، ولعل هذا الشروع في الاعلان هو عصب ولب المشكلة التي لا نزال نعيش ترددها في دول وجماعات شرقنا الموصوف بـ(النامي) احيانا و(المتخلف) احيانا اخرى.
هذه القراءة التي تبدأ بالاشارة الى مفكري الغرب باعتبارهم صناع نهضته تظهر الامر وكأن التقدم جهد نظري فردي محض بينما هناك مراحل تسبق هذا الجهد وتؤسس له ارضا او بنى تحتية تجعل الطريق سالكا فيما بعد، واذا امعنا النظر تاريخيا في مدونات خطاطة التقدم وصراع قواه مع الظلامية والظلاميين فانه بامكاننا ان نصل الى توصيف كامل للصراع ومراحله التي لابد منها ولعلنا نعددها كالتالي:
1- لا بد من مرور الدول والجماعات بفترات حرجة بل وظلامية كالقرون الوسطى في اوروبا او ما سمي عندنا بـ (الفترة المظلمة ) التي اعقبت سقوط بغداد على يد المغول مثلا.
2- نضج الرغبة في التغيير والخروج من نفق هذه الفترة الحرجة من خلال وعي النخب اولا والجمهور فيما بعد.
3- المرور بفترة صراع قد تصل الى درجة حروب اهلية بين المنتفعين من التخلف والراغبين في التغيير وحتما لا بد من ثمن قد يكون باهظا في اوله الا انه أنفع للامة والجماعة من البقاء تحت نير الاستبداد والتخلف، هذا الكلام لا يحمل اية شرعنة للحرب الاهلية منها او غير الاهلية لكنه وصف نقدي لتجارب امم وشعوب مرت بهذه الدورة.
بعد نضج هذه المراحل وإتمامها عبر دورة طبيعية تأخذ مداها الكامل دون مخاتلة او تزوير تظهر بشائر زمن جديد يتقدمه التنويرون بأطروحة حتما ستكون جديدة ومغايرة لكنها ليست شاذة او غريبة بالمرة لأن فورة الصراع المذكور كانت قد هيأت الاجواء لهذا (البديل) الطبيعي، البديل الذي نضج تدريجيا فلم يهدر حاجة اللحظة ولا ضرورة المرحلة بل هو ابن هذه الحاجة بكل ابعادها.
ما يحدث هنا، في اغلب دول المنطقة تقريبا، هو ان هذه المراحل تبدأ لتنقطع، تستمر ولا تنضج ، حلقة لا تريد ان تكتمل! شكوى من التخلف لا يرافقها صراع حقيقي من اجل التقدم!.
هناك مداهنة حتى على مستوى وصف المشكلة، وللايضاح ايضا لا بد من ادراك النقــاط التاليــة:
1- ان دول وجماعات العالم العربي تحديدا عانت المراحل الحرجة في تاريخها او المظلمة على حد وصف المؤرخين ولم تخرج منها الا بمعونة فاعل خارجي (احتلال في اغلب الاحيان) ما يعكس جمود هذا المجتمعات وضعف حراكها الداخلي، والخلاصة ان هذه المرحلة المهمة على صعيد تحفيز وعي التقدم لم تنضج ولم تفرز أثرها!.
2- تصطدم الرغبة بالتغيير غالبا بمعارضة قوى تستثمر المقدس لتأجيل لحظة الانسان بدعوى حرصها على هذا المقدس بينما هي في حقيقة الامر لا تحرص الا على منظومة مصالحها الخاصة ولكن من خلال مقولات تتكفل بتأويلها لخدمة هذه المصالح.
3- ندخل غالبا في نوبات صراع ليس لأجل التقدم بل لأجل السلطة حتى لو كانت الاغطية الايديولوجية باذخة الخطاب.
وهذا ما أثبته التاريخ السياسي الحديث لهذه الدول المتخلفة خاصة بعد انتهاء فترات الاستعمار والانتداب التي كانت تدعي انها العائق في طريق تقدمها وان الانظمة (الوطنية) الجديدة ستكون هي الحل! لكن ما حدث اثبت خيبة هذا الحلم المزعوم.
4- ترافق كل هذا مخاتلات يمارسها الجمهور ضد وعيه خاصة عندما يعيد إنتاج انساقه المستهلكة بحكم العادة والخوف من الجديد ليقع في مطب تجريب المجرب وإعادة تأهيل العطب بوجوه ومقولات تبدو جديدة لكنها مستهلكة الجوهر، الامر الذي يؤكد ما قاله (غوستاف لوبون) بصــدد حقيقـة (السمة المحافظــة جدا للجماهـير).اظن ان هذه الترسيمة على بساطتها تقدم مقارنة ووصـف لخذلان مسعى التقدم في الدول والجماعات التي تحلـم به غالبا وتضل الطريق اليه، ربما تسعى ولكنها لن تصـل.
اليوم مطلوب دراسة هذه المراحل والكشف عن اسباب عدم نضجها لدينا، ما الذي يحبط كل مرحلة على حدة؟ لماذا يتبلبل وعي التغيير؟
احينا نخشى وصف المشكلة بدقة لأن سدنة خرابها يشكلون قوى اجتماعية محلية تنبذ كل من يلامس التشخيص ويثبت براعته بل وجديته في هذا المنحى!.
الغريب في الامر ان الجدل يطول والصراع يتسع بصدد التشخيص اولا!. اين هي المشكلة؟ المنتفعون يتهمون الجماعة بأكملها من باب تمويه الحل والجماعة تؤجل لحظتها باستمرار في شهية انتظار غير مجدٍ.
سدنة المقدس هم الاكثر تأثيرا على هذا الصعيد، ومهما يكن من امر فان الحصيلة هي استمرار العطب وهدر الزمن من خلال اطالته في جدل لا يفضي الى شيء بل وهدر الدم ايضا في صراعات لا تنتهي ابدا، والاغرب من كل هذا اننا نجد بين الجماعة نفسها شرائح قدرية تعتبر ان ما يحدث هو المصير المحتوم! وأن وصفه بالمشكلة اعتداء على قداسة الاقدار!. هذا النوع يخلط بين القدر بالفهم الكهنوتي والمصير الانساني الذي يتوقف على جهد الانسان ونوع رغبته واختياره، هذه الخطاطة لكي نرسم الفارق بين رؤيتين ونلقي مزيدا من الكشف على فكرة التقدم، عطله وتحققه معا، خاصة في الدول التي لا تزال تعيش دورة من دورات نضجه دون ان تتمها بل تجهضها قبل ان تتم وهي بهذا ستظل في زمن دائري ملتف، مغلق لا يتقدم ابدا!.