عباس عبد الرزاق الصباغ
سبع سنوات مرت على عقد اتفاقية الاطار الستراتيجي التي وقعتها الولايات المتحدة مع جمهورية العراق (2008 ) دون تفعيل حقيقي، وقد كان من المفترض ان يكون الاحتلال الداعشي لجزء كبير من الاراضي العراقية (حوالي ثلث العراق) بمثابة ذريعة واقعية لإثبات حسن النية الأميركية تجاه العراق بالتفعيل العملي لأهم بنود هذه الاتفاقية لاسيما ما يتعلق منها بالأمن والحفاظ على امن واستقرار وسيادة العراق (القسم الثالث: التعاون الدفاعي والأمني تعزيزاً للأمن والاستقرار في العراق، وبذلك المساهمة في حفظ السلم والاستقرار الدوليين، وتعزيزاً لقدرة جمهورية العراق على ردع كافة التهديدات الموجهة ضد سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها، يواصل الطرفان العمل على تنمية علاقات التعاون الوثيق بينهما فيما يتعلق بالترتيبات الدفاعية والأمنية دون الإجحاف بسيادة العراق على أراضيه ومياهه وأجوائه) وهو بند يحدد المسؤوليات المترتبة على الولايات المتحدة تجاه العراق، وهي اتفاقية ملزمة لدولة عظمى احتلت العراق وحلت جيشه ووقفت موقف المتفرج وهو يكابد أهوال الحرب ضد الإرهاب ، وهي الحرب الوطنية التي تحولت الى حرب “نيابة” عن العالم بأسره.
وكانت “ستراتيجية” الولايات المتحدة يلفها الغموض والضبابية حتى قبل عقد هذه الاتفاقية وذلك حينما اشتدت الهجمات الإرهابية من قبل تنظيم القاعدة ، وهو التنظيم الذي أعلن الحرب ضد الوجود الاميركي (الصليبي) في بادئ الأمر في العراق الذي استحال الى ساحة تصفيات بين طرفي نزاع كلاسيكي ابتدأ بعد انتهاء سيناريو الاحتلال الروسي لأفغانستان التي كانت بؤرة للصراع بين “المجاهدين!” وبين “الكفار” الروس وهو سيناريو كان قائما بدواع وطنية وعقائدية (طرد المحتل “الكافر”) في الظاهر اما في الباطن فهو صراع تحولت بوصلته الى الحرب ضد الولايات المتحدة التي أدارت ظهرها لـ”المجاهدين!” بعد ان انتفت حاجتها منهم فيما بعد، وليس للشعب العراقي الذي تحول الى ضحية هذا الصراع ناقة او جمل في هذه الحرب، فقد ظل هذا الشعب يدفع الثمن باهظا نتيجة اجرام البعث والقاعدة الى ان انبثق تنظيم “داعش” المتوحش من رحم القاعدة وكان متوقعا من الولايات المتحدة ان تقدّم “ستراتيجية” مناسبة تكون في الأقل في مستوى الخطر الذي يمثله هذا التنظيم وهو خطر شمولي كاسح وعابر للحدود والقارات ولا يقف في وجهه اي رادع امني ، وتتناسب مع مواجهة التحديات التي يفرضها تنظيم “داعش” على الامن القومي الاميركي ومنظومة المصالح الإقليمية التي تحتّمها الاهميات الجيبولوتيكية لبؤر تلك المصالح ومنها العراق وهذا لم يحصل نتيجة لتراخي الولايات المتحدة.
وهذا الامر يذكرنا بأحداث سابقة حين لم تفعّل الولايات المتحدة ستراتيجية واضحة للقضاء على او تحجيم الإرهاب القاعدي الذي كان يفتك بالأبرياء يوميا خاصة إبان المد الطائفي وبروز ملامح حرب أهلية طائفية طاحنة، اذ تركت العراقيين تحت رحمة الإرهاب القاعدي الأسود الذي تورّم وانتج لنا “داعش” بنسخة اكثر توحشا من المصدر الام وبقي الشعب العراقي مكشوفا تحت رحمة الإرهاب الداعشي وسط مشاركات خجولة ودون الطموح من قبل الولايات المتحدة ومعها أعضاء الأسرة الدولية خاصة التحالف الستيني المنضوي تحت يافطة مكافحة الإرهاب والقضاء عليه بسبب عدم تفعيل ستراتيجية جادة وفعالة ضد هذا التنظيم ايضا.
فالولايات المتحدة تتخبط في أهدافها الستراتيجية وتتأرجح ما بين عدة ستراتيجيات متناقضة فهي ترى ان ستراتيجيتها في العراق هي تجنب إرسال جنودها اليه مرة أخرى لعدم تكرار سيناريو 2003.
فيما يعلن الرئيس أوباما ان الولايات المتحدة لا تملك “ستراتيجية” كاملة لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا فالولايات المتحدة تنظر الى هذين البلدين من منظار ستراتيجي واحد.
وتارة تتذرع الولايات المتحدة بأن الحرب على “داعش” هي طويلة الأمد ولن تنتهي في افق زمني قريب (كما يريد العراق) وان عمليات التحالف قد تستغرق ما بين ثلاث إلى خمس سنوات أخرى ربما لإعطاء الفرصة “لتحجيم” تمدد التنظيم في العراق وسوريا. وتارة تتعامل الولايات المتحدة بمنطق اللامبالاة بعد ان وصف اوباما ارهابيي “داعش” بأنهم مجرد “هواة” فريق كرة البيسبول تقليلا من حدة المخاوف المرتبطة بداعش وهو امر يؤكد رؤية ستراتيجية غير ناضجة لمخاطر هذا التنظيم ولكنْ هؤلاء “الهواة” قد يتمكنون من السيطرة على مناطق جديدة تنفيذا لأطروحتهم في التمدد وهو مايحصل الآن.
ولكن الولايات المتحدة عادت الى الاعتراف من خلال الرئيس اوباما نفسه الذي استهان بمخاطر “داعش” بأن تهديد هذا التنظيم، بات عابرا للحدود، إذ وصل إلى تونس، والكويت، وسيناء المصرية، ويتنامى بشكل كبير، مشيراً إلى أن ذلك سوف يدفع الولايات المتحدة إلى تحديد “خطوات” ستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وان مسألة محاربة التطرف لن تقتصر فقط على الجهود العسكرية، بل خَلْق ايديولوجيا مناوئة في اشارة الى شمولية الحرب على “داعش” وعدم اقتصارها على الإجراءات العسكرية فقط ،وذلك بالعمل مع الشركاء لوضع أجندة لكراهية “داعش” لمحاربة جميع المتطرفين الذين يشوهون صورة الإسلام الحقيقي بحسب تعبير اوباما. يأتي هذا التحول بعد ان التزمت الولايات المتحدة بسياسة “الصبر” الستراتيجي ـ ردحا من الزمن كان كافيا لتحقيق نتائج داعشية مرعبة في التوسع ـ وربطها بالحل السياسي المزمع الوصول اليه في نهاية المطاف بدعم استقرار العراق من خلال تعزيز جهود “المصالحة الوطنية”. وان الولايات المتحدة بدأت تربط ما بين مصالحها الجيوستراتيجة في شرق اوسط جديد وما بين ستراتيجيتها “الصبورة” في القضاء التدريجي على داعش او انها لا تريد التفريط بمنظومة تحالفاتها في المنطقة، فهي تحتاج حتما الى التنسيق الضروري ما بينها وبين الدول الأعضاء في التحالف الستيني ومنها العراق سواء في الأهداف او الوسائل او الآليات وحتى في النتائج المتوخاة ، وعدم الاكتفاء بالجلوس على التل وانتظار متى ما تنجلي هذه الغبرة لرسم خارطة طريق لستراتيجية ما بعد فوات الاوان يكون فيها تنظيم “داعش” قد وصل الى قلب واشنطن وغزا اميركا في عقر دارها.