حازم مبيضين
مع اقتراب موعد خلو منصب الرئاسة في إقليم كردستان العراق، تزايدت حالة الشد والجذب بين القوى السياسية الفاعلة، وتصدّى الإعلام الحزبي لمهمة الدفاع عن واحد من خيارين، تسعى القوى المتصارعة لفرض أحدهما، أولهما انتخاب رئيس الإقليم شعبياً، حيث يتوقع استمرار سيطرة الرئيس الحالي مسعود بارزاني على مقدرات الإقليم، والثاني التحول إلى النظام البرلماني، وبمعنى أن ينتخب البرلمان رئيس الإقليم، وهذا خيار تتبناه أحزاب “المعارضة” المشاركة في السلطة والحكومة، وهي تبحث عن تعظيم شعبيتها في مواجهة تعاظم نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يحتكر رئاستي الإقليم والحكومة ويتهم بأنه عائلي، ويخشى كثيرون من محبي الأمة الكردية والمدافعين عن حقوقها، أن تفضي هذه النزاعات إلى تبدد الحلم الكردي وإلى الأبد، فيما ينظر المتفائلون إلى مستقبل تشرق فيه شمس الحرية على هذه الأمة التي تعرضت لسلسلة من المؤامرات طيلة القرن الماضي، وظلت دون دولة تلم شعبها حتى اليوم، أما اليوم فإن الخلاص من هذا الواقع يرتبط بالكرد وهم يمسكون مصيرهم بأيديهم، ولن يكون مُجدياً تبرير أي إخفاق، خصوصاً اللجوء إلى نظريات المؤامرة.
بالنظر إلى الواقع الراهن فإن الثلث الأخير من الشهر المقبل سيكون موعداً مع الفراغ السياسي في الإقليم حيث تنتهي فترة رئاسة كاك مسعود، وسيواجه السكان عندها مجموعة من الأزمات الخطيرة، وأبرزها السياسية حيث تحكم الإقليم عملياً إدارتان في السليمانية وأربيل، وتخضع هاتان الادارتان للأسف لقرارات الحزبين الحاكمين، وأضيف إليهما مؤخراً حزب ثالث يفتش عن موطئ قدم على الأرض، أما الأزمة الاقتصادية فهي الأخطر، نتيجة غياب سياسات اقتصادية انتاجية، وتغييب الجماهير عن المشاركة في الثروة الوطنية المتأتية من بيع النفط، وتوزيع بعض الناتج على المجتمع، دون الاستفادة منه في مشاريع إنتاجية تمنع الانهيار المتوقع نتيجة زيادة الاستهلاك على الإنتاج، وإذا كانت بعض الدول كاليونان تمكنت من تجنب الانهيار بفضل الدعم الأوروبي، فإن الإقليم يفتقر إلى الدعم، وما زال يئن تحت رحمة أو غضب الحكومة المركزية في بغداد. ليس سراً أن الحزبين الرئيسين في الإقليم “الاتحاد والديمقراطي” قد تجاوزا اليوم فترة الهدوء الحذر التي استمرت لعدة سنوات، على خلفية عدم التوصل إلى حلول تتعلق بالانتخابات الرئاسية، وإمكانية تجديد ولاية رئيس الاقليم التي ستنتهي في 19 آب المقبل، وهو يشغلها منذ عشرة أعوام في دورتين وتمديد لعامين نتيجة فشل الأحزاب في التوافق حول الاستفتاء على مشروع دستور الإقليم، وعلى خلفية الصراعات الكامنة التي رافقتها بعض الأحداث، وجهت عقيلة الرئيس العراقي السابق طالباني رسالة للحزب الديمقراطي، أكدت فيها أن إناء الاتحاد الوطني امتلأ فلا تدعوه ينضح، وهي رسالة أثارت بجدية مخاوف الكثيرين من نشوب معارك مسلحة بين الحزبين، نتيجة تمسكهما بمواقفهما وآرائهما، وفقدان المرونة لدى قياديي الطرفين في التعامل مع القضايا المختلف عليها بانفتاح وتعاون حقيقي، ما يعيد إلى الذاكرة المعارك الكارثية التي اندلعت بينهما واستمرت خمس سنوات، وراح ضحيتها آلاف من أبناء الشعب الكردي.
ليس سراً أيضاً أن السياسة الخارجية للإقليم تبنى على أساس المصالح الحزبية وليس المصلحة القومية أو الوطنية، حيث يقيم “الديمقراطي” علاقاته الوطيدة مع أنقرة وييمم “الاتحاد” وجهه صوب طهران. قيادة الإقليم متهمة بتبنى نهج تطوير العلاقات مع تركيا، على حساب العلاقة التاريخية مع إيران، رغم أن سياسات تركيا في الماضي والحاضر ظلت تعادي الحقوق المشروعة للكرد، كما يُذكّر بذلك الكثير من ساستهم، منوهين أنه بعد مد أنبوب النفط الكردي عبر الأراضي التركية تحولت العلاقات إلى مصلحية بحتة بين أنقرة و”الديمقراطي”، بينما تقضي المصلحة بإقفال جميع الحقول والآبار النفطية، والاحتفاظ بهذه الثروة لعقود أخرى لتستفيد منها الأجيال القادمة، ما دام الإقليم يتلقى حصته من ميزانية الدولة العراقية، والمستفيد الأكبر في هذه الحالة هو تركيا التي أمل بارزاني من خلال تحسين علاقاته معها أن تكون سنداً، متجاهلاً تاريخ علاقاته بإيران حيث كان حزبه من أول وأهم حلفاء إيران طوال العقود السابقة، وقاتل القوى المعارضة لنظامها، وكانت الأراضي الإيرانية بعد انهيار ثورة الملا مصطفى، منطلقاً للعودة إلى الثورة مجدداً في كردستان العراق، وبديهي أن تتجاهل تركيا علاقتها ببارزاني وهي تقصف مقرات حزب العمال الكردستاني في أربيل ودهوك وهي مناطق نفوذه في الإقليم.
يشير استطلاع للرأي قامت به مؤسسة محايدة الى أن “الاتحاد الوطني الكردستاني” استعاد شعبيته الكاسحة وخصوصا في مدينة أربيل، حيث حاز على 608 أصوات مقابل 288 لصالح حزب بارزاني، تأتي بعدهما حركة التغيير المعارضة بـ 184 صوتا، واكتسح كوسرت رسول نتائج الاستطلاع بحصوله على 266 صوتا مقابل 124 لبارزاني، ويظهر ذلك حدوث تطورات مهمة على “الديمقراطي” القلق بشأنها وربما تحد من مطالبته بانتخابات شعبية لرئيس الاقليم.
هل يعيد التاريخ نفسه دون استفادة من دروسه، ومنها ما يتوجب على الساسة الكرد التوقف عنده مطولاً، ومن تلك الدروس ما قاله المؤرخ إبن فضل الله العمري في كتابه التعريف بالمصطلح الشريف “الأكراد وهم خلائق لا تُحصى، وأمم لا تُحصر، ولولا أن سيف الفتنة بينهم يستحصد قائمهم، وينبّه نائمهم، لفاضوا على البلاد، واستضافوا إليهم الطارف والتلاد، لكنهم رموا بشتات الرأي وتفرُّق الكلمة، لا يزال بينهم سيف مسلول، ودم مطلول، وعقد نظام محلول، وطرف باكية بالدماء مبلول، ولهم رأسان كل منهما جليل، ولكل منهما عدد غير قليل” يبدو أن هذا الوضع ما زال قائماً ولكن إلى متى؟.

التعليقات معطلة