توم هانستاد
أقر البنك الدولي أخيراً بواقع يحمل على القلق. ففي وقت يسعى إلى انتشال العالم من براثن الفقر من طريق مشاريع اقتضت نزوح الملايين من أراضيهم- ومن هذه المشاريع تشييد السدود، ومشاريع بنى المدن التحتية والتنمية الريفية، لم يراقب البنك الدولي مراقبةً ناجعة عملية التعويض على السكان وتوطينهم في مكان آخر. وليس البنك الدولي على ثقة بأن النازحين المرحلين من أرضهم تقاضوا ما يعوض خسارتهم أو حازوا مقابل هذه الخسارة مزرعة أو منزلاً جديداً. وهذه المسألة برزت إثر مراجعة ذاتية أجراها البنك الدولي، ونشرت هذا الشهر (أيار- مايو2015) على شاكلة ثلاثة تقارير. وخلصت التقارير إلى أن ثمة فجوات كبيرة في المعلومات تشير إلى إخفاق نظام البنك في جبه تحديات ترحيل السكان وتوطينهم من جديد. ويسلط إخفاق البنك الدولي هذا الضوء على عجزه عن تحديد ما إذا كانت المشاريع الحكومية التي مولها، أساءت إلى الفقراء أو عادت عليهم بمنفعة. وهذه التقارير هي في مثابة تذكير مأسوي بأن التنمية من غير حماية حقوق الفقراء في أرضهم لا ترتجى منها فائدة. وملكية الأرض غالباً ما تكون ركن المشاريع التنموية: امتلاك الأرض يساهم في تحسين التغذية ورفع مستوى التعليم والمساواة بين الجنسين. وحين يفتقر إلى «أمن عقاري» أو شبكة أمان الأرض، وحين تضعف هذه الشبكة، أي حين لا يقر بحقوق المالكين المشروعة في ملكيتهم ويرحلون عنها من غير تعويض أو إمكان طعن في قرار المصادرة، تتعثر مساعي التنمية، وتزرع بذور الظلم واللاعدالة والنزاع وتقوض مساعي النجاة من الفقر. فعلى سبيل المثل، أظهرت دراسة في إثيوبيا أن العائلات التي ترى أن حقوقها في ملكية الأرض مُصانة ومحمية ترتفع إنتاجيتها الزراعية، وتستثمر أكثر من غيرها (60 في المئة أكثر) في إنشاء مدرجات زراعية تساهم في رفع الناتج الزراعي وحماية التربة. ويستثمر مثل هذه العائلات في زرع الأشجار. وأظهرت دراسات برازيلية أن ملاك الأرض الذين لا تصادر أراضيهم أو يرحَّلون عنها لا يشاركون في عمليات حرق الغابات أو تدميرها. فحماية حقوق الملكية تحسن علاقة المزارع بأرضه، وتعزز ميله إلى الإعداد لأهداف طويلة الأمد والتخطيط للمستقبل. وخلصت دراسة أرجنتينية إلى أن أولاد العائلات الواثقة من حقها في ملكية الأرض، يحرزون نتائج مدرسية أفضل. وحين ترث النساء ملكية أو أرضاً، تتعزز قدرتها الاقتصادية. وتحصن إزاء العنف الأسري، ويتحسن مستوى عيش الأطفال. فعائدات النساء المالكات للأراضي هي ثلاثة أضعاف عائدات النساء من غير ملكية، في تنزانيا. وفي الهند، ينخفض احتمال تعرض المرأة المالكة للعنف الأسري 8 مرات عن نظيره في صفوف النساء الفقيرات من غير ملكية. ولكن لماذا لم يلحظ برنامج الأمم المتحدة الموسوم «الأهداف الإنمائية للألفية» (أو الأهداف الإنمائية في الألفية) الحق في الأرض، ولم يحمِ هذا الحق؟ ولماذا يهمل هذا الحق في المشاريع التنموية الكبيرة والصغيرة على حد سواء؟ مترتبات هذا الحق غير مرئية: من العسير ضمان حقوق الملكية، في وقت من اليسير مراقبة شق الطرق وبناء المستشفيات والمرافئ. ويقدر البنك الدولي أن الدول النامية تنفق تريليون دولار سنوياً في إنشاء بنى تحتية مثل شق الطرق ومد الجسور، وأن دوران عجلة النمو الاقتصادي والتنمية يقتضي إنفاق صنو هذا المبلغ أو أكثر سنوياً من اليوم إلى 2020. ولكن هذه المشاريع تُهمل إجراءات حماية الفقراء وحقهم في الأرض. و90 في المئة من الأراضي الريفية في أفريقيا غير موثقة الملكية، وفق البنك الدولي. وتقدر منظمة «لانديزا» أن ثلث مزارعي الأراضي الريفية الهندية يفتقرون إلى وثائق تثبت حقهم في الأرض التي يفلحونها.
وتمويل المشاريع التنموية وفير، ولكنه يغفل مترتبات الحق في الملكية ولا يحمي هذا الحق. فحين تمنح المشاريع مشردين مبلغاً لشراء مواد تشييد منزل، تغفل أن المشرد لا يملك أرضاً ليبني عليها. وبرامج تدريب زراعية كثيرة تتوجه إلى مالكي أصول ملكية الأرض، وتترك أفقر الفقراء من غير مساعدة ولا موارد لزيادة منتوجاتهم وعائداتهم.