سميح صعب
لم يصل القبول الاميركي بدور روسي رئيس في حل الازمة السورية الى مستوى التسليم الكامل بهذا الدور وبالنتائج التي يمكن ان يسفر عنها. لا تزال هناك تحفظات كثيرة على الدور الروسي. وما يصح على موسكو يصح ايضا على طهران. واذا كانت واشنطن قد سلمت ربما للمرة الاولى منذ اندلاع الحرب السورية بأن ثمة دورا رئيسا لروسيا وايران في ايجاد الحل، فإن ذلك لا يعني ان ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما سلمت بالمبادرات التي تطلقها روسيا وايران .
لقد اتى التسليم الاميركي بالدورين الروسي والايراني بعد اخفاق كل المحاولات التي بذلتها الولايات المتحدة منذ اكثر من اربعة اعوام ونصف لاحداث تغيير سياسي في سوريا عن طريق الدعم العسكري والسياسي الذي قدمته واشنطن لاطراف المعارضة السورية لا سيما “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” بصفته الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري بعدما قالت ان الرئيس بشار الاسد فقد كل شرعيته وانه يجب ألا يشكل جزءا من سوريا الجديدة. لكن عمليا فشل الائتلاف في ان يحوز على موطئ قدم داخل الاراضي السورية وقت كانت التنظيمات الارهابية من “داعش” و”جبهة النصرة” هي التي تحتل الاراضي التي خرجت عن سيطرة الدولة السورية. ولجأت اميركا الى البحث عن فصائل سورية مسلحة اقل تطرفا من “داعش” و”النصرة” ، فوجدت حركة “حزم” و”جبهة ثوار سوريا” وامدت التنظيمين اللذين يتألفان بشكل اساسي من بقايا “الجيش السوري الحر”. لكن “جبهة النصرة” صفت هذين التنظيمين واستولت على مخازن الاسلحة التي كانت يمتلكانها ومن بينها صواريخ حرارية متطورة من طراز “تاو” اميركية الصنع. وعندما اخفق خيار “حزم” و”جبهة ثوار سوريا”، بالتزامن مع اكتساب “داعش” مزيدا من الاراضي سواء في سوريا او العراق، لجأت اميركا الى ستراتيجية جديدة في سوريا قوامها تدريب عناصر “معتدلة” من المعارضة السورية في معسكرات تقام في تركيا والاردن والسعودية وقطر لتخريج ما يصل الى 15 الف مقاتل يشكلون نواة قوة سورية جديدة مهمتها الوقوف في وجه “داعش” والحلول في المناطق التي ينسحب منها التنظيم الارهابي تحت وطأة الغارات الجوية التي يشنها الائتلاف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، على اساس ان واشنطن لا تريد للنظام السوري ان يستفيد من المناطق التي ينسحب منها الارهابيون، بل تخطط كي يتولى مقاتلون حصلوا على
تدريب اميركي ان يتولوا مهمة ملء الفراغ في المناطق التي سيرغم التنظيم الارهابي على الانسحاب منها في سوريا. غير ان هذه الخطة الاميركية الجديدة اخفقت بدورها بعدما عانى برنامج التدريب الاميركي صعوبات عديدة، منها صعوبة العثور على مقاتلين “معتدلين” وعراقيل وضعتها تركيا امام برنامج التدريب من جهة لابتزاز اميركا الى اقصى الحدود وانتزاع منها تنازلات في ملفات اخرى ومن جهة ثانية لعدم ثقة انقرة بالستراتيجية الاميركية وتفضيلها الاتكال على التنظيمات المتشددة في مواجهة النظام السوري بينما محاربة “داعش” لم تدخل في القاموس التركي الا اخيرا مع السماح لاميركا باستخدام قاعدة انجيرليك الجوية في اضنة لشن هجمات على التنظيم الارهابي في سوريا والعراق بعدما كانت المقاتلات الاميركية تقطع مسافات طويلة من قواعدها في الخليج او البحر المتوسط كي تنفذ مهماتها.
وبحلول تموز الماضي اعلنت وزارة الدفاع الاميركية جاهزية 60 مقاتلا سوريا تلقوا تدريبا في تركيا . لكن لم تكد طليعة من هؤلاء تجتاز الحدود التركية نحو سوريا حتى وجدوا “جبهة النصرة” في انتظارهم، حيث عمدت الى خطف عدد منهم بينما قتل بعضهم في مواجهة مع “النصرة” . وهذا ما جعل سلاح الجو الاميركي يقصف مقرات لـ”النصرة” في اعزاز على الحدود مع تركيا. لكن النتيجة كانت باعتراف البيت الابيض فشلا ذريعا لبرنامج التدريب الاميركي وللستراتيجية التي وضعتها ادارة اوباما في هذا الشأن.
وقبل اشهر، واجهت السترتيجية الاميركية التي اعتمدت على ما يطلق عليه “الجبهة الجنوبية” فشلا ذريعا في الهجوم لاسقاط مدينة درعا وما تبقى من محافظة القنيطرة انطلاقا من الاردن في عمليات اشرفت عليها ما باتت تعرف بغرفة عمليات “الموك” التي تتخذ الاردن مقرا لها. وكان الهجوم الذي شنه اكثر من 32 فصيلا تحت لواء “الجيش الاول” التابع لـ”الجبهة الجنوبية”، يهدف الى تضييق الحصار على دمشق من خلال اسقاط درعا والقنيطرة والسويداء. لكن الامور اتجهت عكس ما كان مخططا له.
وامام واقع اخفاق كل الجماعات السورية المحسوبة على اميركا في احراز موطئ قدم اساس في الجبهات السورية، وفي ظل تزايد التهديدات التي تشكلها التنظيمات الجهادية ، حدث التحول في الموقف الاميركي لجهة السماح لروسيا بلعب دور اساس في ايجاد حل سياسي للأزمة السورية. وكذلك الامر بالنسبة الى ايران التي مهد الاتفاق النووي معها في 14 تموز الماضي ، الطريق نحو اضطلاع ايران بدور بارز في حل القضايا الاقليمية في الشرق الاوسط ولا سيما في اليمن وسوريا. ومما لا شك فيه ان اميركا كانت مجبرة على التسليم بالدورين الروسي والايراني، بعدما واجهت الفشل الذريع في سياساتها التي اعتمدتها في الاعوام الاربعة الاخيرة حيال سوريا، وكانت التنظيمات الارهابية هي وحدها من استفاد من زرع الفوضى الامنية والسياسية في سوريا.