حازم مبيضين
ظنّ كثيرون أن تسارع وتيرة الحراك الدبلوماسي مؤخراً، يعد دليلاً على تفاهمات بين القوى المؤثرة بالأزمة السورية، وتركزت الأنظار على لقاء عادل الجبير وزير الخارجية السعودي بنظيره الروسي لافروف، غير أن المؤتمر الصحفي للوزيرين أظهر عمق الهوة بين الطرفين، وأنّ صفقات السلاح لم تتمكن من ردمها، فالجبير أكد موقف بلاده الثابت بأن لا دور للأسد في مستقبل سوريا، وأنها لن تتعاون مع النظام في دمشق، ولن تلبي دعوة الرئيس الروسي لتشكيل تحالف عربي ضد الإرهاب، وشدّد على أهمية توحيد صف المعارضة السورية لتتطلع برؤية واحدة إلى المستقبل، والبدء بالعملية السلمية بموجب جنيف الأول، وبدا واضحاً أن مصير الأسد جزء من هذه الخلافات.
لافروف من جانبه شدد أن الشعب السوري وحده يمكنه تقرير مصير الأسد، وأنّ القرار حول جميع قضايا التسوية، بما فيها إجراءات المرحلة الانتقالية والإصلاحات السياسية، يجب أن يتخذه السوريون أنفسهم، غير أن هذا الخلاف العلني لم يمنع موسكو من الحديث عن الإعداد لاجتماع موسع جديد، يجمع مختلف القوى السياسية السورية لتسوية الأزمة في بلادهم، وفي هذا الإطار استقبلت موسكو رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض خالد خوجة، وبعد اجتماعه مع لافروف قال إن موسكو ليست متمسكة بشخص الأسد، إنما بالدولة السورية ووحدة أراضيها والحفاظ على مؤسساتها، وشدد أنه لم يعد للأسد أي دور في مستقبل سوريا، ومن جانبها قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية إن موسكو لا تدعم الأسد شخصياً، بل الرئيس السوري المنتخب شرعياً، وتشهد موسكو مزيداً من المحادثات مع ممثلين آخرين من المعارضة السورية، وبالتوازي مع نشاط موسكو زار وزير الخارجية السوري وليد المعلم سلطنة عمان، حيث أكد الجانبان أن الوقت حان لوضع حد للأزمة السورية.
تتحرك الدبلوماسية السعودية معتمدة على نتائج عملية “عاصفة الحزم” في اليمن، وتسعى لتغيير الموقف الروسي من سوريا، بينما تتحرك موسكو لفتح مسار جديد في المسألة، غير أن نتائج لقاء وزيري خارجية البلدين قطعت الشك باليقين، حول إمكانية اقتناع السعوديين بتعويم الأسد من خلال مشاركته في تحالف دولي جديد واسع لمكافحة “داعش”، لايعني ذلك أن روسيا ستجمد نشاطها الدبلوماسي بعد نجاحها الجزئي بإقناعها الرياض باستقبال اللواء علي مملوك، رئيس مكتب الأمن القومي ومستشار الرئيس الأسد، صحيح أن تسريب خبر الزيارة أزعج الرياض، لكنه لم يقطع التواصل السعودي الروسي الذي فشل بالتوصل إلى اتفاق حول مصير الأسد، لكنه لم يمنع اتفاقهما على تعزيز العلاقات في المجالات كافة ، بديهي أن تسفر التحركات الروسية عن توتر يعتري علاقتها بدمشق، بسبب استيائها من ما تعده تلكؤاً في محاربة الدواعش، وكشف عن ذلك الرئيس التركي قائلاً إن بوتين لم يعد متمسكاً ببقاء الأسد في الحكم، وبمراجعة تصريحات لافروف، فإنها المرة الأولى التي تعترف فيها موسكو علناً بأن مصير الأسد مطروح على جدول أعمال المحادثات مع الأطراف الإقليمية والدولية.
في هذه الأثناء تستمر في سوريا حرب بالوكالة، حيث يحاول كل طرف ضمان مصالحه، تركيا تسعى لمنع قيام كيان كردي عند حدودها مع سوريا، وواشنطن تسعى لحشد أعداء “داعش”، وروسيا تريد ضمان بقاء ما تبقى من النظام والجيش ومحاربة الإرهاب، الأردن يريد جدار صد ضد “داعش” على أن يكون في الأراضي السورية، وإذا كان البعض لايرى ضيراً في تقسيم سوريا، أو انتقالها إلى نظام مختلف كلياً، فإن آخرين يرون مخاطر التقسيم، المتمثلة بالخوف من انتقال العدوى إلى باقي دول المنطقة، وفيما تستمر المحاولات الروسية لتشكيل حكومة وحدة وطنية والحفاظ على الأسد، بينما تؤكد واشنطن أن رحيله وتحديد آلية أو موعد ذلك، هو الخطوة الأولى لإقناع المعارضة بإلقاء سلاحها، وإذا كانت موسكو تحذر من انهيار النظام في حال رحيل رئيسه، فإن واشنطن تؤكد أن استمرار الصراع سيؤدي إلى انهيار النظام، لذلك لا بد من استعجال الحل السياسي، ودمشق من جانبها ترى أنه لايوجد حل سياسي، والأولوية لمواجهة الإرهاب، بينما تطرح إيران وقف إطلاق النار، وتدعو لدستور جديد يتضمن حماية حق الغالبية السنّية والأقلية العلوية، وليس معروفاً بعد إن كانت دمشق ستتبنى حلاً كهذا.
والخلاصة أنه لابد من البحث عن تفاهمات سياسية لحل الأزمة السورية، ولايكون ذلك إلاّ بالحفاظ على مؤسسات الدولة، ومنح شعبها حرية اختيار من يحكمه، ويستدعي ذلك وقف كل تدخل خارجي مدعوم من الدول الإقليمية، وإجراء انتخابات نزيهة بإشراف دولي محايد، ذلك وحده يقلل مخاطر التقسيم، أو الوقوع تحت نفوذ خارجي بدأت معالمه تتضح، وذلك وحده ما يوفر الفرصة لعدم سيطرة الجماعات الإرهابية، “داعش” أو من هم على شاكلته، وبديهي أن حل الأزمة السورية سياسياً سيكون المدخل لحل جميع الأزمات الإقليمية، سواء في اليمن أو العراق وصولاَ إلى البحرين، اعتماداً على مخرجات الاتفاق النووي الإيراني، والتقارب السعودي الروسي غير المكتمل، وعجز جانبي الصراع عن الحسم العسكري، وعدم قدرة أي منها على تحقيق النصر الناجز.