علي حسن الفواز
شهادة محمد حسنين هيكل أكبر من ذاكرة سياسية، وأكثر عمقا في توصيف أحداث وصراعات عاشتها المنطقة والعالم، وحين يتحدث هيكل عن يوميات السياسة العربية، فإنه متدرّع حتما بقوة هذه الذاكرة وبـ(بنك) من المعلومات، وبوليصات تأمين تحميه من أوهام الغش السياسي والتدليس الجماعاتي..
هو يعرف الكثير من الأسرار، وربما هو أحدُ صنّاعها، مثلما يعرف كيف صنع القادة السياسيون أحداثا جساما، وحروبا دامية ومهلكة، وخَبِر عوالم وصراعات يمكن أن تفضح الكثير من الزعماء الملوك والأمراء والرؤساء ممن خدعوا( أمتهم) وشعوبهم..
في اللقاء الموسع الذي أجراه الصحفي طلال سلمان رئيس تحرير جريدة السفير البيروتية إنفتحت الكثير من المغاليق، وإنكشفت الكثير من السرائر، ووضعتنا الخبرة السياسية أمام فضاء من المعلومات والقراءات، والتي يمكن من خلالها تكوين صورة عن الحدث العربي- العربي، والملامح الناتئة التي ظهر بها، ومَنْ المسؤولين عن صناعة هذا الحدث في لحظاته(الخسرانة) دائما..
الكثير من الملفات كشف عنها هيكل، والكثير من الأوهام السياسية أزاح عنها غطاء التعويم السياسي والأمني، فضلا عن الكثير من القراءات التي لامست أحداث الماضي، واستشرفت مايمكن أن يقع من أحداث في المستقبل، لاسيما أن منطقتنا الشرقي أوسطية باتت هي( أرض طروادة) للحروب العالمية، حيث حروب الإرهاب والعنف والأصوليات، وحيث حروب الفقر والنازحين والمشردين والمقابر الجماعية.
قراءة هيكل تعني قراءة التاريخ، وقراءة خفايا الصراع، والبحث في الوثائق والمعلومات التي تسبغ على الصراع مصداقيته وحقيقته، ولا يمكن لأحد أن يواجه هذه الحقائق والوثائق إلاّ تحت يافطة الدفاع العصابي عن دول وحكومات وأنظمة تخشبت الحياة فيها، وما عادت صالحة لعصر الحداثة، وهو مايدفعها لأن تكون أنظمة رعب واستبداد وصانعة استثنائية للحروب المؤجرة، وللعنف الأيديولوجي والفقهي..
يتحدث بدءا عن الرئيس الأميركي بوصفه شاهدا على زمانات أميركية عديدة، ومن منطلق أن السياسة الأميركية تصنعها(سياسات عميقة) وأن موقف الرئيس أوباما حول الملف النووي الإيراني سيكون تكريسا لهذه السياسات وليس خروجا عنها، لأن مجيء رئيس أسود الى دولة تحكمها أكثرية بيضاء وهي ذو تاريخ عنصري طويل، هو أيضا جزء من صناعة هذه السياسة في تسويق صور مُصممة للديمقراطية، وفي التعاطي مع قرارات ومواقف تدخل في صلب(برستيج) السياسة العميقة..
ويتحدث عن إيران من موقف (العارف) الذي يملك مرجعيات عن هذا الموقف، وكيف يمكن أن تصنع السياسة؟ وماهي خياراتها؟ والتي يجد فيها أبوابا متعددة للتعاطي مع مشكلات متعددة، وهو مايقرأ من خلالها موقف مصر والرئيس عبد الفتاح السيسي إزاء الآفاق التي سيفتحها الاتفاق النووي بين إيران ودول (5+1)، إذ سيواجه صراعا داخليا في الانفتاح على إيران رغم حاجتها لذلك، لأن السعودية ستسعى لتخريب ذلك ومنع أي علاقة بين مصر وإيران، مثلما أن بعض القواعد الطائفية في مصر سترى هذه العلاقة بمنظار طائفي وليس بوعي المصالح السياسية، وهذه مشكلة كبيرة في العقل السياسي العربي اليوم، رغم أن الانفتاح الإيراني الغربي سيزيل حدودا قديمة بين إيران ودول آسيا وأفريقيا المحكومة بموجهات أميركية وغربية، وسيعيد الكثير من ترتيب الجغرافيا السياسية في المنطقة، لاسيما بعد فشل سياسة العقوبات، والتي يقول عنها( لو كان هناك “سلاح اقتصادي” قد يؤذي إيران لكان آذاها في السنوات التي اشتد فيها الحصار الاقتصادي عليها)
طبعا هذه المعطيات ستكون مشكلة بالنسبة للعقل الأميركي كما يرى هيكل، لأن أميركا لاتؤمن بنظرية الأقوياء معها، وأنها ستعمل على احتواء النظام عن طريق هذا الاتفاق والتخفيف من جرعاته الثورية، وهو عكس مايعمله الحكّام العرب المنفعلون بأوهام التاريخ والعقد الطائفية، كما هو ذات الموقف من (حزب الله) ومشاركته في الحرب السورية ضد الإرهاب، إذ يرى أن في هذه الحرب خيارا وجوديا للحزب، لأن الإرهاب وأجنداته الإقليمية يهدد جغرافيا الجماعات والأقليات في المنطقة، وما حدث في العراق وسوريا للمسيحيين والشبك والأيزيديين والتركمان دليل على هذا الإرهاب الممهنج.
قراءة هيكل لحيثيات الصراع في المنطقة وصعود الأصوليات العنفية يكشف عن في جوهره عن الخلل الكبير في محتوى القراءات السياسية للأحداث، وغياب أي رؤية منهجية للمشكلات العميقة التي تعاني منها الشعوب، بدءا من مشكلة السلطة والاستبداد والعنف والطائفية، وانتهاء بمشكلات الحريات والحقوق والتنميات والتعليم وغيرها.
وعن السعودية يتحدث هيكل وكأنه يستشرف أحداثا قادمة، إذ يقول( السعودية في أزمة لا أعرف كيف ستكون نهايتها أو كيف ستتطور وكيف ستؤثر في نظام الحكم فيها. أما البدائل فلا بدائل! ولا أحد عنده سلطة تخوله ان يكون البديل. هناك مشكلة حقيقية وهذا هو ما يبقي السعودية، الجيش يتحكم به هم أمراء الأسرة. هم أذكياء إلى درجة ان الوحدات الرئيسة في الجيش هي بقيادة أمراء. هل هناك من يملك المصداقية المطلوبة؟ لا أدري. كلهم يتساوون ولا أحد يظهر انه البديل، حالة الصراع الموجودة هي مع البرجوازية الناشئة) هذه القراءة تكشف عن محنة النظام السياسي وطبيعة تشكّل الطبقة الحاكمة فيه، والتي ستظل رهينة به، لكن خطورتها تكمن بالاجيال الجديدة التي ستصطدم حتما بالدوغما السياسية والدينية التي حكمت البلد لعقود، لكنها لم تصنع منه بلدا انموذجيا لا في الحريات، ولا في الحقوق ولا في المدنية والتحضّر بمعناه الإنساني، فضلا عن أن السعودية ودول الخليج لايملكون القدرة على مواجهة التغيرات التي ستحدث في المنطقة، لأن (السعودية ستغرق في مستنقع اليمن) كما يقول، كما أن هذه الدول جميعها أضعف من تشاغب حول الاتفاق النووي الإيراني.
هيكل وقراءة ملف الإرهاب
لم تعد السياسة بعيدة عن العلوم، ولا خارج السرديات، فكل ما يجري اليوم من صراعات في منطقتنا العربية يعيدنا الى حاجة القراءة العلمية، لاسيما قراءة التاريخ وقراءة صراع الأمبراطوريات، وطبيعة القوى العنفية التي تشكلت، وباتت تهدد وجود الكثير من الدول، أو ربما أدت الى انهيار دول استبدادية بكاملها كما حدث في ليبيا مثلا..
وحديث الإرهاب كما يرى هيكل هو جزء من منظومة هذا الصراع، ومن طبيعة الجماعات الموجودة في بيئتنا السياسية، بدءا من حركة الإخوان المسلمين في مصر، وانتهاء بالقاعدة و”داعش” وغيرهما، والتي تحولت الى أدوات سياسية في الصراع الإقليمي والدولي، ولعل ملاحظات هيكل حول سياسات الأنظمة العربية الاستبدادية يعطي لنا انطباعا بأن هذه الجماعات الإرهابية جزء من ثقافة الاستبداد ذاته، لأنها نشأت في ظل مؤسساته وفي مدارسه واكتسبت من علوم منظوماته الفقهية والتعليمية، وحظيت بدعم كبير من مؤسساته الأمنية، وكما هو معروف من دول دعمت صناعة الإرهاب الفكري والطائفي والجنائي مثل الولايات المتحدة والسعودية وباكستان، والتي تدعمه الآن كما هو حال دول، مثل قطر وتركيا والسعودية وغيرها.
صعود هذا الارهاب فضح أنظمتنا العربية كما يقول هيكل، كما فضح هشاشتنا التعليمية والثقافية، فضلا عن تداعياته التي تحولت الى(قوة مضادة) في تعويم قراءة التاريخ والنصوص والأفكار، وفي فتح أفق دامٍ لحروب جاهلية من الصعب ضبطها، لأن وقودها الجهل والتخلف والجماعات العنفية بلا وعيها التاريخي، والتي ستفكر حتما
بإعادة صناعة الاستبداد بطرق أكثر توحشا، وهو مانرى صوره الدامية في سوريا وليبيا واليمن والصومال وبعض مناطق العراق وتونس ومصر ولبنان..