جون بول راثبون 
“لا أحد هنا يستطيع إجراء العمليات الحسابية”! ألبرتو يوسف كان يتحدث يائساً في مكالمة هاتفية مليئة بالكلمات البذيئة كانت تتنصّت عليها النيابة العامة في البرازيل قبل ثلاثة أعوام. يوسف، منذ أن أدين بالمساعدة على نقل 444 مليون دولار إلى حسابات مصرفية في الخارج على شكل آلاف المعاملات المنفصلة، هو شخص كان يمارس غسل الأموال ثم تحوّل ليصبح أحد المُبلغين عن الفساد فيما يُسمى “بترولاو” في البرازيل – فضيحة الفساد المترامية الأطراف التي ألحقت الضرر بأعلى المستويات الحكومية.
الفضيحة التي شهدت مليارات الدولارات تؤخذ من عقود بناء كانت تنفذها “بتروبراس”، شركة الطاقة المملوكة للدولة، لاستخدامها رشا للسياسيين، ملأت شوارع البرازيل بالمُتظاهرين وأدت إلى دعوات لإقالة ديلما روسيف، الرئيسة الأقل شعبية في تاريخ البرازيل. هذه لا شك حسابات مهمة. وظيفة يوسف، في جوهرها، كانت حثّ المسؤولين التنفيذيين في الشركات على تقديم الرشا وتهدئة جشع السياسيين، الذين معظمهم من حزب العمال الحاكم. جشع السياسيين كان ملحوظاً – لكنه كان منسجما مع العصر. تلك كانت أيام طفرة البرازيل، عندما كانت أسعار السلع الأساسية مرتفعة وكثير من البرازيليين كانوا يعتقدون أن الأُفق المتفائل لـ “بلد المستقبل” الخاص بهم قد وصل فعلاً. فالحياة بالنسبة إلى بعضهم كانت جميلة – أكثر من ملياري دولار تمت سرقتها عبر الرشا. لكن التفاؤل، والبرازيليون معروفون به، يمكن أن يتحول إلى تشاؤم. فمنذ ذلك الحين تم الكشف عن كثير من المعلومات وتم إرسال عشرات من كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات إلى السجن بسبب دورهم في فضيحة بترولاو، ويجري التحقيق مع أكثر من 30 سياسيا بتهمة الفساد. الطفرة انتهت أيضاً وكثير من مكاسب السلع، كما تبيّن، أُنفقت بطريقة غير سليمة على مراكز التسوّق الجديدة بدلاً من الخدمات الاجتماعية. الغضب الذي يشعر به البرازيليون ينبُع من الشعور بأن مستقبلهم يُسرَق منهم. الآن تراجع الاقتصاد إلى أسوأ فترة ركود منذ الكساد العظيم، و”لحظة” البرازيل ماتت. في نظر بعضهم، انتقلت هذه اللحظة إلى المكسيك، وهي عكس البرازيل في نواح كثيرة. ففي حين إن اقتصاد البرازيل تراجع بسبب الفساد، وسياسة الحماية، وشغف روسيف بالتدخّل، إلا أن اقتصاد المكسيك الليبرالي بالفعل يُصبح أكثر تحريراً، وقطاع النفط المحمي فُتِح أمام الاستثمارات الأجنبية. اقتصاد البرازيل الذي تقوده السلع مرتبط بتباطؤ الصين، وشركات التصنيع منخفضة التكاليف في المكسيك مرتبطة بانتعاش الولايات المتحدة. ولهذا الرئيس إنريكه بينيا نييتو أعلن عن عصر جديد. لكن على عكس البرازيليين، معظم المكسيكيين لم يتناولوا مشروب “العصر الجديد”. والحصانة القانونية فيها موجودة في بلادهم بكثرة. ففي حين إن المكسيك تتقدّم كثيراً في استطلاع سهولة ممارسة الأعمال الذي يجريه البنك الدولي (في المرتبة 39، مُتقدّمة على تشيلي وإسرائيل، مقابل المرتبة 120 للبرازيل)، إلا أن العكس صحيح فيما يتعلق بسيادة القانون. مثلا، المكسيك تحتل المرتبة 103 في مؤشر تصورات الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية، أسوأ من الصين، في حين إن المترتبة 69 التي تحتلها البرازيل ترتبط بمستوى إيطاليا واليونان.
ويبدو أن التعفّن المؤسسي في المكسيك امتد من المناصب العُليا إلى المناسب الدُنيا. فقد عانى الرئيس سلسلة من فضائح تضارب المصالح تشمل زوجته ووزير ماليته. والصحافيون الذين يُبلغون عن حالات الاختفاء والعنف الذي تُغذّيه المخدّرات، مثل جريمة القتل المُفترضة لـ 43 طالبا في العام الماضي، هم أنفسهم يتعرضون للقتل. هذا الأسبوع أكثر من 500 مُثقّف انتقدوا ممارسة الرقابة على الصحف “باستخدام الرصاص” censorship by bullet في المكسيك. وفي حين يتم سجن المجرمين في البرازيل، بإمكان زعماء عصابات المخدّرات في المكسيك الهرب من السجون ذات الحراسة المُشدّدة عبر أنفاق يتم بناؤها في أماكن الاستحمام في زنزاناتهم. ما رد الحكومة على الصيحات بعد كل حادثة مُخجلة؟ شعور صامت بالحرج واتخاذ موقف “العمل كالمعتاد”، مع التأكيد على أن الإصلاح الاقتصادي، قبل مشكلات سيادة القانون، هو مصدر القلق الأكبر في المكسيك. الأمر الذي يبدو أن القصر الرئاسي في المكسيك لا يُدركه هو أن انعدام الأمن وغياب القانون لديهما أيضاً تبعات مالية. في مطلع هذا القرن، كانت البرازيل والمكسيك تملكان كميات متساوية من الاستثمار الأجنبي المُباشر، تعادل 19 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت المخزونات في البرازيل إلى 32 في المائة، بينما ارتفعت في المكسيك، “المُنفتحة جداً على الأعمال”، إلى 26 في المائة فقط. وحتى اليوم، على الرغم من انحسار طفرة أسعار السلع، التدفّقات الداخلة من الاستثمار الأجنبي السنوي إلى البرازيل تبلغ نحو 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي؛ وفي المكسيك 2 في المائة. وتكشف استطلاعات المستثمرين أيضاً عن زيادة القلق بشأن الحصانة القانونية وإنعدام الأمن. في الماضي تجاهل بينيا نييتو السؤال بشأن الفساد باعتباره “قضية ثقافية”. لكن الزمن تغيّر، ويجب أن تتغيّر الثقافة معه. الآن تتم ملاحقة فضائح الفساد بسرعة أكبر في أمريكا اللاتينية – إلى حد كبير لأن النيابة العامة والمواطنين يبنون على التحقيقات التي تبحث في انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة في الماضي القريب. لقد تحوّلت المعايير. يبدو أن البرازيل، مع مؤسساتها القانونية القوية نسبياً والإيمان الموروث بحرية التعبير، تفهم هذا. بينما المكسيك، مع مؤسساتها الضعيفة والديمقراطية الشابة، لا تفعل. قد يكون من الحماقة الاعتقاد أن تحقيق الفساد في “بتروبراس” سيغير الحياة السياسية والتجارية البرازيلية بشكل جذري. (هل أزالت حركة “الأيدي النظيفة” في إيطاليا مشكلاتها الهيلكية؟). لكن، على أقل تقدير، الإطاحة بالشخصيات التي كانت في السابق لا يمكن المساس بها تتيح إمكانية إنشاء اتجاه جديد. في المكسيك، في المقابل، لم تُرسل أي شخصية بارزة إلى السجن، والفساد يُمكن أن يبدو مُتفشّياً. إذا أدركت المكسيك أهمية سيادة القانون، فإن التدفقات الداخلة من الاستثمار الأجنبي المباشر يمكن أن ترتفع إلى المستويات البرازيلية – استثمارات إضافية مقدارها 13 مليار دولار أو أكثر سنوياً. في أبسط مستوياتها، لا تحتاج الحكومة سوى إلى إجراء الحسابات.

التعليقات معطلة