جمال جاسم أمين 
بدءا يجب ان نعترف بأن الوقت قد تأخر كثيرا اذ ان مثل هذا القانون كان يجب ان يصدر قبل الآن خاصة واننا في تجربة ديمقراطية حديثة تحتاج ضبط حدود الممارسة تقليلا للاخطاء ودفعا للبس الذي ينتج المزيد من الخسائر، لكن الذي حصل هو ان هذا القانون وغيره من القوانين الحيوية تأخرت في ظل انفعالات وبسبب ازمات طارئة انتجت ما انتجت على صعيد العملية السياسية الجارية. 
اليوم ينشط الحديث مجددا في البرلمان والشارع السياسي حول اعادة مداولة مسودة قانون الاحزاب بغية اصداره وهناك اكثر من نسخة لهذه  المسودة!.
 إن قراءة فاحصة ومتأنية لمسودة القانون تكشف لنا ما يلي:1 – بما انه (قانون) كان من الاجدر ان يكتبه رجال القانون ثم يعرضونه على الساسة لا ان يكتبه الساسة ليعرضوه على رجال القانون او البرلمان، بمعنى ان المسودة المطروحة مكتوبة بلغة الساسة وبالضرورة سوف تراعي احتياجات ونوايا مضمرة كان ينبغي ان لا تكون. 
2 – ان مثل هذه اللغة السياسية التي تكتب بها وثائق يراد لها ان تكون قانونية عانينا اثرها وثغراتها في الدستور حيث لا يزال الحديث جاريا عن تعديل هذه الثغرات التي كانت سببا في الكثير من التعقيدات السياسية، وبدلا من ان تكون وثيقة الدستور حلا للخلافات اصبحت في احيان كثيرة هي ذاتها محلا للخلاف، هذه المشكلة جاءت بسبب ان الوثيقة لم تتمتع بضبط قانوني يمنع التناقض او التداخل او فسح المجال واسعا امام التأويلات.
 في مسودة قانون الاحزاب هناك ما يشبه هذه الاشكالية ، هناك فقرات عائمة يصعب ضبطها واقعيا، وبالتالي فان ما يراد له ان يوصف سوف يتأول بعيدا عن الوصف او يظل فقرة انشائية لا واقع لها ولناخذ مثلا المادة الخامسة من القانون بشقيها:اولا: يؤسس الحزب على اساس المواطنة وبما لا يتعارض مع احكام الدستور.
ثانيا: لا يجوز تأسيس الحزب على اساس العنصرية او الارهــاب او التـعصـب الطائفي او الـعـرقي او القومي.
نلحظ هنا ان الفقرة تقفز على واقع لم تتكرس فيه ثقافة المواطنة حقا بل ان العملية الجارية قامت اصلا على تسوية وتوافقات بين كتل واحزاب قومية ودينية، وبالتالي فان جوهر احزابنا هو الجوهر القومي بل والعرقي ايضا والديني المحسوب على طوائف شئنا او أبينا ، ما يعني ان الدعوة الى احزاب عابرة لعقد الواقع هو امر لا واقع له خاصة في ظل اصطفافات كالتي تشهدها الساحة العراقية.
 والسؤال الاهم : ما الضابط او المعيار لتحديد هوية هذا الحزب او ذاك؟ ثم ان توصيف (الارهاب)! نراه هو الاعقد بهذا الصدد ومكمن التعقيد ان الجماعات التي تمارس العمل الارهابي سواء المادي/ القتل مثلا او الفكري والمعنوي هي لا تفصح ببساطة عن اجنداتها الخفية بل هناك اكثر من اسلوب وصيغة يمكنها ان تتستر بها وهنا تنشأ الحاجة لدقة التوصيف ازاء مثل هذا المفصل اكثر من غيره ، هذا على سبيل المثال ناهيك عن الفقرات التي تخص تمويل الاحزاب ومصادرها المالية او منعها من تشكيل اجنحة عسكرية، الامر الذي يضعنا امام مسؤولية ضبط قانوني لمثل هذه المفاصل كي لا ندخل في متاهة التأويل فيما بعد وهي متاهة لها ثمنها الفادح على صعيد الممارسة والوقت بل توفر في كثير من الاحيان فرصا للعابثين والاعداء الذين ينتهزون مثل هذه الثغرات لاطالة عمر المشكلة العراقية بدلا من الاسراع في حلها للانطلاق في مسيرة عمل جاد بعيدا عن نوبة الجدل التي طالت ادق التفاصيل واصغرها.
 ما يعنينا الآن ان يكون القانون جامعا مانعا وبعيدا عن الاهواء والمقاسات الخاصة لأن الظرف العراقي الراهن وكما نعتقد لا يتحمل أي تسويف كما لا يتحمل مزيدا من الاخطاء الفادحة التي تضاعف الضرر بدل ان  تقلله.
ننتظر فعلا صدور هذا القانون كي يسهم في تنظيم الممارسة الديمقراطية بشكل جاد كما ننتظر صدور القوانين الحيوية الاخرى التي تضع البلد على سكة الاستقرار.

التعليقات معطلة