فيصل جلول
مرة أخرى يضرب الإرهاب بقوة في فرنسا التي صارت هدفاً مفضلاً لإرهابيين من جنسيات محلية وأجنبية، الأمر الذي يطرح سؤالاً كبيراً حول دوافع اختيار الإرهابيين لهذا البلد، فضلاً عن سؤال آخر حول الإجراءات التي اعتمدتها السلطات الفرنسية لمواجهة هذه الظاهرة ومدى صلاحيتها في القضاء على ظاهرة الإرهاب ومسبباتها.
بداية يجدر التذكير بالعمليات الإرهابية التي ضربت هذا البلد منذ مطلع العام الجاري.
العملية الأكبر والأهم وقعت في 7 و8 يناير/كانون الثاني الفائت ونفذها الشقيقان كواشي في صحيفة «شارلي ايبدو» المعروفة بنشرها رسوماً مسيئة للرسول والموضوعة على لائحة أهداف «القاعدة» منذ وقت طويل. وقد تزامنت العملية مع اغتيال شرطية بلدية على يد اميدي كوليبالي في مدينة مونروج المحاذية للعاصمة ثم احتجاز رهائن في متجر يهودي على مدخل أحد أبواب جنوب العاصمة وقد انتهت العملية بمقتل الإرهابيين الثلاثة.
لم تتأخر العملية التالية طويلاً فقد وقعت في 13 يناير/كانون الثاني عندما هدد إرهابي شرطياً بالموت جراء تدخل الشرطة لإلقاء القبض على هذا الشاب البالغ 23 عاماً والمعروف بإدارته خلية ترسل الإرهابيين إلى سوريا.
وفي 3 فبراير/شباط اعتدى موسى كوليبالي بالسلاح الأبيض على ثلاثة من رجال الشرطة كانوا يحرسون متجراً يهودياً في مدينة نيس جنوب فرنسا واعترف في التحقيق معه بأنه يكره فرنسا ويحتقر اليهود.
وفي 19 إبريل/نيسان بادر طالب من أصول جزائرية يدعى سيد أحمد غلام إلى قتل متدربة فرنسية واعترف بأنه كان يخطط لارتكاب مجزرة في كنيسة «فيل جويف» جنوب باريس.
وفي 26 يونيو/حزيران ذبح ياسين صالحي رب عمله وثبت رأسه في جدار حديقة مصنع للمواد الكيماوية وحاول من بعد تفجير أحد المستوعبات الكيماوية من دون جدوى إلى أن اعتقلته الشرطة، وقد أعلن عن انتمائه إلى «داعش» عبر نشر علمها إلى جانب رأس ضحيته.
وفي 13 يوليو/تموز ضبطت الشرطة الفرنسية أربعة شبان بينهم عسكري سابق وتتراوح أعمارهم بين 16 -23 سنة كانوا يحضرون للاعتداء على ثكنة عسكرية في «فور بيار» شرقي البريرينه.
وأخيراً، جريمة قطار تاليس التي كادت أن تتسبب بمجزرة لو تمكن الإرهابي من إطلاق نيران رشاشه الذي تعطل لسبب تقني وكان بحوذته 9 مماشط تضم 300 رصاصة فضلاً عن مسدس وخنجر قتالي. 
معروف أن 6 مواطنين فرنسيين وأجانب اعتقلوا أيوب الخزاني المغربي المعروف بصلته الوثيقة بالجماعات الإرهابية في سوريا.
يمكن تفسير هذه الكثافة في العلميات الإرهابية بأسباب عديدة من بينها اشتراك فرنسا في الحرب على الإرهاب في جبهات عديدة. فقد شنت منفردة حملة عسكرية على المنظمات الإرهابية في شمالي مالي توعد خلالها الإرهابيون بالرد، وتشترك باريس في الحرب على الإرهاب في ليبيا وفي المشرق العربي وتعتبر الجماعات الفرنسية المقاتلة في سوريا الأكبر عدداً بين المقاتلين من أصول أوروبية. 
ومن بين الأسباب الخلفية نكتفي بالإشارة إلى حال الضواحي حول المدن الكبرى والتي تضم أكثرية من العرب والمسلمين يعانون التهميش وسط عيش الكفاف ومن هذا التهميش يمكن أن ينفذ أصحاب الدعوات «الجهادية» وأن يجدوا صدى لطروحاتهم الإرهابية. ناهيك عن التشدد العلماني الذي تمثل في إحدى المناسبات بمنع ارتداء «الفولار» في المؤسسات التعليمية الرسمية ومنع ارتداء البرقع في الطرقات والأماكن العامة، علماً أن عدد المبرقعات في فرنسا لم يتجاوز ال 200 حالة.
والواضح أن الموقف الفرنسي المتشدد من النظام السوري لم ينعكس إيجاباً على موقف الجماعات «الجهادية» من فرنسا. من جهة أخرى، يبدو أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات الفرنسية لم تفض حتى الآن إلى الحد من وتيرة الهجمات الإرهابية وبخاصة قانون الإرهاب الجديد الذي أطلق يد السلطات في اتخاذ ما تراه مناسباً من خطوات وقائية في مكافحة الإرهاب والإرهابيين ناهيك عن فشل مخطط «فيجي بيرات» الأمني المعمول به لسنوات عديدة في استدراك الهجمات الإرهابية.
وإذا كان صحيحاً أن اتقاء الأعمال الإرهابية لا يمكن أن يصل إلى نتيجة وقائية مئة في المئة، فالصحيح أيضاً أن تزايد العمليات الإرهابية يهدد فرنسا بتوتر داخلي يمكن أن يتحول إلى حرب أهلية إذا ما فازت «الجبهة الوطنية» الفرنسية المعادية للعرب والمسلمين في الانتخابات النيابية المقبلة. فهي تطرح حلولاً عنصرية من نوع فرض العقاب الجماعي على العرب والمسلمين وتهجيرهم قسراً وسحب الجنسية من عدد كبير منهم.لقد بنى العنصريون في فرنسا استراتيجيتهم السياسية على خوف مواطنيهم من البطالة وخوفهم من الانفلات الأمني وخوفهم من الاندماج الأوروبي وخوفهم من الاقتصاد الليبرالي ومن العملة الأوروبية الموحدة ولا يمكن للإرهاب إلا أن يغذي ويوسع إطار الخوف ويحمل المزيد من الأصوات إلى العنصريين الفرنسيين.في السياق نفسه يصعب على السلطات الفرنسية أن تواصل الدفاع عن استراتيجيتها السابقة في بلاد الشام والتي تقول بأولوية إسقاط الأنظمة على مكافحة الإرهاب خصوصاً أن شركاء باريس ولاسيما الولايات المتحدة باتت تضع مكافحة الإرهاب في رأس أولوياتها في المنطقة التي خرجت وتخرج منها الموجة الأخيرة من الإرهابيين، فضلاً عن ليبيا التي تحولت إلى قاعدة جديدة ل«داعش» في المغرب العربي بعد تثبيت أركان هذه المنظمة في سوريا والعراق.
تبقى الإشارة إلى أصوات خافتة في فرنسا تتحدث عن أولوية مكافحة الإرهاب على غرار أولوية مكافحة النازية في الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي أتاح في حينه تشكيل محور مناهض يضم ستالين والسوفييت الذين كانوا مصنفين كأعداء موصوفين للديمقراطية والليبرالية. 
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو متى تصبح هذه الأصوات غالبة ؟وما هو عدد العمليات الإرهابية اللازمة حتى تنتصر هذه الأولوية على غيرها؟

التعليقات معطلة