ستيفان واجستيل 
عندما واجهت قرية أوتينشتاين الهادئة شمالي ألمانيا مسألة إغلاق مدارسها بسبب عدم وجود أطفال، استخدم عمدتها، مانفريد فاينر، طريقة جديدة لجذب الأسر الشابة إليها.  بدلا من تأجير أراضي القرية للمزارعين، لجأ إلى إعطائها مجانا لمن هم على استعداد للانتقال للعيش في نلك القرية الصغيرة الخلابة. سيتم منح المتقدمين الناجحين عقد بناء بشرط واحد: أن يكون لديهم أطفال صغار ويفضل أن يعتزموا إنجاب المزيد منهم. استجاب نحو 30 زوجا. القادمون الجدد بحد ذاتهم لن يجددوا السكان كبار السن في أوتنشتاين البالغ عددهم 900 شخص. لكن يمكن أن يكون عددهم كافيا لإنقاذ المدرسة، التي تعهدت السلطات بإبقائها مفتوحة طالما لم ينخفض عدد التلاميذ إلى أدنى من المستوى الحالي البالغ 50 تلميذا. يقول فاينر البالغ من العمر 71 عاما: “ينبغي علينا الحفاظ على المدرسة. كيف يمكن للقرية أن تكون بلا مدرسة؟ بلا مخبز؟ بلا جزار؟”. عبر ألمانيا، يسأل رؤساء البلديات الآخرون أنفسهم الأسئلة نفسها. على الرغم من موجة المهاجرين – حيث تتوقع ألمانيا استقبال 800 ألف من طالبي اللجوء هذا العام – إلا أن من المتوقع أن ينخفض عدد السكان عن الذروة التي وصلوا إليها في عام 2002، البالغة 82 مليون نسمة، إلى 74.5 مليون بحلول عام 2050، وفقا للأمم المتحدة. ويتوقع أن تنخفض النسبة المئوية ممن هم تحت سن 15 عاما إلى 13 في المائة، وهي من بين أدنى النسب المئوية في العالم. أما حصة أولئك الذين هم فوق سن 60 فمن المتوقع أن ترتفع من 27 في المائة إلى 39 في المائة. وف تغير الهجرة المزيج العرقي، لكن من المرجح أن يتبع المهاجرون الذين يستقرون في ألمانيا النمط المحدد من قبل الألمان الأصليين، الذين يربون عددا قليلا من الأطفال ليحلوا محل الأجيال السابقة. فولفجانج شويبله، وزير المالية، قال هذا العام: “يعد التغير الديموغرافي واحدا من التحديات الكبيرة التي تواجهنا”. في حين تواجه كثير من بلدان الاتحاد الأوروبي ضغوطا مماثلة، إلا أن ضغوط ألمانيا حادة بشكل خاص. في ظل وجود اقتصاد قوي ومعدلات بطالة منخفضة، فإن عدد سكانها ممن هم في سن العمل آخذ في الانخفاض، ما يفرض ضغوطا ضخمة على أرباب العمل. وهناك أيضا عواقب جيوسياسية محتملة: مع نمو عدد السكان في فرنسا وبريطانيا ربما لا تبقى ألمانيا البلد الأكثر اكتظاظا بالسكان في الاتحاد الأوروبي – أو حتى أكبر اقتصاد فيه بعد عام 2050، مع آثار مترتبة على ميزان القوى في أوروبا. لكن بوصفها دولة غنية ذات عدد سكان بدرجة تعليم مرتفعة، لدى ألمانيا الفرصة لتصبح دولة مبتدعة في كيفية إدارة السكان المعمرين. يقول راينر كلينجهولتز، مدير معهد السكان والتنمية: “إن التغير الديموغرافي لا يلزم أن يكون بمنزلة كارثة. السؤال هو كيفية الرد. الحكومات جميعا معتادة على إدارة النمو. يجب عليها الآن تعلم كيفية إدارة الانكماش. نحن بحاجة إلى إعادة النظر بصورة كاملة في مجتمعاتنا”. المشكلة هي أن المجتمعات المعمرة ليست بالضرورة جيدة في إعادة التفكير. وفي حين يعرب كثير من الناس الأكبر سنا عن قلقهم إزاء المجتمع الأرحب، عندما يتعلق الأمر بالسياسات، يغلب عليهم أن يهتموا كثيرا بأنفسهم ومعاشاتهم التقاعدية. وتعمل الحكومات على إرضاء مطالبهم: كانت أكبر توزيعات الإنفاق للمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، على تخفيض الحد الأدنى لسن التقاعد إلى 63 عاما لعمال الخدمة الطويلة ورفع المعاشات التقاعدية للأمهات غير العاملات. يقول كلينجهولتز: “هذا النوع من السلوك قد يزداد سوءا”. ينبع التحدي الديموغرافي الألماني من انخفاض معدل المواليد. بعد عام 1945، تمسكت حكومات ألمانيا الغربية بالرأي القائل إنه ينبغي على النساء الاهتمام بالأطفال وتوفير الرعاية لهم في البيت، وقدمت رعاية أطفال مدعومة من الدولة وغيرها من أشكال الدعم للأمهات العاملات أقل مما كانت تقدمه فرنسا أو المملكة المتحدة. وبمواجهتهن الاختيار بين العمل أو الأطفال، اختارت كثير من النساء الألمانيات وظائفهن.
ومنذ إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990، حاولت السلطات اللحاق بالركب، ولا سيما عن طريق التوسع في رياض الأطفال، لكنها تكافح في مواجهة شعبية نمط الحياة الخالي من الأطفال. معدل الخصوبة يبلغ 1.4 طفل لكل امرأة، بمقارنة بـ 2 (معدل الاستبدال) في فرنسا، و1.8 في المملكة المتحدة، ومتوسط يبلغ 1.6 في الاتحاد الأوروبي. ويقول دويتشه بانك في تقرير له: “على الرغم من الاستثمارات الضخمة في سياسة الأسر، لم ترتفع معدلات الخصوبة قط بأي مقياس كبير”. ومع ولادة عدد أقل من الأطفال، تصبح ألمانيا دولة معمرة بشكل سريع. وبمتوسط أعمار 46 سنة، تأتي ألمانيا فقط في المركز الثاني بعد اليابان. ومنذ الآن، هناك واحد من كل 20 ألمانيا فوق سن 80 وبحلول عام 2050، ستكون النسبة واحد إلى ستة، وفقا لبيانات الأمم المتحدة. وتتفاقم التحديات بسبب التحولات الداخلية. فبعد مضي عقود من فرار الجمهور البريطاني والفرنسي من القرى الصغيرة إلى المناطق الحضرية، يجري اجتذاب الشباب الألماني من خلال الإثارة الموجودة في المدن الكبرى. تراجعت هذه العملية طويلا بسبب الهيكل اللامركزي الألماني، الذي شجع الناس على البقاء في مناطقهم، وبسبب انتشار الشركات الصغيرة المملوكة للأسر التي تقدم تلمذة عالية الجودة، حتى في أماكن غير عصرية.

التعليقات معطلة