حسن علي كرم
السؤال الذي يطرح نفسه فيما الشارع العراقي ينتفض غضباً من حكومته جراء تردي الأوضاع المعيشية والخدماتية وتراكم الفساد والفشل الاداري، هو: هل انتفاضة الشارع ثورة مفتعلة أم مؤامرة؟، فالشارع العراقي بعضه يصف المظاهرات الصاخبة في المدن الجنوبية بثورة وتعبير عن السخط على السياسيين الفاشلين والفاسدين، فيما هنالك آخرون يصفون المظاهرات بصراع شيعي – شيعي وصراع مرجعيات بين النجف وطهران، وثالث يصفها بأنها مؤامرة من خارج الحدود يحركها في الداخل ضباط الجيش السابقون بهدف إحداث الفوضى وإسقاط النظام الديمقراطي الوليد وعودة العراق الى أحضان البعثيين!.
رئيس الوزراء حيدر العبادي تجاوب سريعاً مع حراك الشارع الغاضب، فأجرى اصلاحات حكومية فورية ألغى بموجبها مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وخفض عدد مقاعد الوزراء، مع دمج وزارات غير اساسية في الوزارات الاساسية كوزارتي التعليم العالي والبحث العلمي ووزاراتي المرأة وحقوق الانسان، وخفض الرواتب والمكافآت والمعاشات التقاعدية للوزراء وأعضاء مجلس النواب والمدراء العامين مع خفض الحمايات الشخصية للسياسيين ودمجهم بالجيش والشرطة الاتحادية، واعداً بالمزيد من الاصلاحات في القادم من الأيام.
في واقع الحال لم يشعرالعراقيون يوماً منذ الإطاحة بالنظام الصدامي الاستبدادي الى يومنا الراهن بالأمان والاستقرار وهذا انعكس على الوضع المعيشي للمواطن العادي، ففقدان الأمن احد أهم المعوقات لجريان الحياة الطبيعية ولمسيرة العمل ودفع عجلة الإعمار، وإذا كان هنالك من نجاح يُسجل على الصعيد السياسي فهو صدور الدستور والانتخابات البرلمانية واختيار رئاسة الدولة وتشكيل الحكومات وانتخابات مجالس المحافظات وكل ذلك انجازات لا ينبغي الاستهانة بها مع موجات العنف التي لم تتوقف، ولعل الأوضاع الأمنية لن تستقر ما دام هناك متآمرون من الخارج ومخربون من الداخل. لا ريب أن الأوضاع هناك مركبة ومعقدة، ولن يكون بمقدور رئيس الوزراء العبادي حتى وان حمل العصا السحرية أن ينجز الإصلاحات التي ينادي بها الشارع إذا لم يشعر العراقيون وعلى الأخص الساسة أن الإصلاح يبدأ من ضمان الأمن، والعودة إلى أحضان الدولة العراقية لا احضان الطائفة أو المذهب أو القومية او العشيرة. لقد نجح النظام المباد بتمزيق العراق ما بين العشائرية والطائفية والاثنية ولكن في النظام الديمقراطي يفترض اذابة الطوائف والاثنيات والديانات والمذاهب وغيرها في بوتقة الدولة الوطنية على أساس الدستور الذي هو المظلة الجامعة لكل العراقيين، وعليه يجب تلاشي نفوذ المرجعيات العشائرية والقومية أمام سلطة الدستور على أساس الاعتراف بالدولة المدنية.
لا شك أن مسيرة الإصلاح طويلة ومرهقة، فالإصلاح لن يتحقق بين ليلة وضحاها بعد عقود من الحروب والدكتاتورية ومصادرة حق المواطن في التعبير الحر ولكن الإصلاح ليس معجزة بعيدة المنال، وكل ذلك يتوقف على الساسة الذين يقودون دفة المسؤولية السياسية وعلى الوعي المجتمعي، فمحاربة الفساد مسؤولية وطنية، ومعركة الأمن مسؤولية وطنية والإعمار مسؤولية وطنية وهذا يتطلب بأن يفهم كل مواطن دوره الوطني وموقعه من معركة الإصلاح.