فيليب ستيفنز
تبدو ألمانيا غير مرتاحة مع مسؤولية قيادة أوروبا التي لم تطلبها. لم تكن برلين الشريرة الوحيدة خلال أزمة اليورو اليونانية، لكنها عادة ما كانت تبدو كذلك لبقية العالم. معظم الناس اعتبروا أن حكومة يونانية تعيسة تعرضت للمهانة بسبب التنمر الألماني. والتصورات، وكذلك القواعد، لها بعض الأهمية في العلاقات الدولية.
لكن الآن أنجيلا ميركل تفهم الموضوع. فخلال معظم الوقت، أظهرت أزمة اللاجئين أوروبا في أسوأ حالاتها: بلاغة سامية حول الإجراء الجماعي يناقضها تراجع مخيف إلى أضيق نطاق في المشاعر القومية. لكن كانت هناك استثناءات؛ كانت السويد سخية إلى درجة المبالغة، والمستشارة الألمانية أظهرت أن بإمكانها فهم الجانب الآخر من القيادة.
خلال السنوات العديدة الماضية، ضحكت أوروبا نفسها حين ظنت أن بإمكانها إغلاق نفسها عن العالم. سورية كانت مشكلة شخص آخر – وعلى أي حال، هي نتاج خطأ غزو الولايات المتحدة العراق. وأي التزام تجاه ليبيا انتهى مع إزاحة معمر القذافي. الدول الغنية في الاتحاد الأوروبي كانت لديها أشياء أخرى في أذهانها: التقشف، والركود وأزمة اليورو التي لم تحل أبدا. لكن ماذا عن ضحايا نظام الرئيس السوري بشار الأسد أو التنظيم الذي يطلق على نفسه اسم داعش؟ حسنا، بإمكانهم البقاء في مخيمات في الأردن وتركيا.
مئات الآلاف من السوريين والعراقيين والإريتريين الفارين من الموت والاضطهاد، الذين يعبرون إلى أوروبا في أكبر حركة جماعية تشهدها القارة منذ عام 1945، عملوا على تحطيم تلك الأوهام. عبر الطريق، كشفوا عن مدى الوهن في التزام أوروبا بالعمل الجماعي – بالتضامن، إن شئت – وأنه، إلى جانب متاعب اليورو، يمكن أن يؤذن بانهيار مؤسسة الاتحاد الأوروبي. الواجب الأخلاقي المتمثل في تقديم العون لضحايا الحرب والإرهاب، البائسين، يتحدث عن نفسه. لكن هناك أيضا مسألة المصلحة الذاتية. كتب الأوروبيون المواثيق الدولية التي تهدف إلى إعلاء شأن حقوق الإنسان. لكن من دون ولاء مشترك للقيم العالمية المتمثلة في الحرية والأمن، فإن الاتحاد الأوروبي لا يعني أي شيء.
كانت ميركل من بين القلة المستعدين للتحدث عن التزامات أوروبا تجاه الوافدين الجدد. يخبرني أصدقائي الألمان أنها، بالحذر المعروف عنها، انتظرت لتكسب مزاج أبناء بلدها – المتطوعين الذين يحرسون مراكز الاستقبال في وستفاليا شمالي الراين ومشجعي كرة القدم الذين يلوحون بلافتات ترحيبية. لا بأس. لقد فهمت ما الذي ينبغي القيام به. إن الأنشودة التي يرددها في توق اللاجئين الذين يشقون طريقهم من منطقة البلقان، هي بكل بساطة “ألمانيا”. ربما تستقبل برلين ما يصل إلى 800 ألف طالب لجوء سياسي هذا العام.
أسوأ الحالات في أوروبا كانت متمثلة في فيكتور أوربان، صديق بوتين الذي يشغل منصب رئيس وزراء المجر. بجهله بالتاريخ، يرى أوربان اللاجئين بمثابة تهديد للحضارة الأوروبية. والحل عنده في بناء جدار، أو سياج من الأسلاك الشائكة بطول 175 كيلو مترا. من المحزن أنه ليس الشخص الوحيد الذي يحمل هذا التعصب الأعمى. تقول الحكومة السلوفاكية “إنها ستقبل فقط اللاجئين غير المسلمين”. هناك شيء مثبط حقا حول الدول الشيوعية السابقة التي تم الترحيب بها أخيرا في الاتحاد الأوروبي حين تغلق الباب أمام لاجئي سائر أشكال الاستبداد الأخرى.
على الجانب الآخر من القارة، بالكاد أظهرت حكومة ديفيد كاميرون البريطانية نفسها في وضع أفضل. يتحدث رئيس الوزراء – الذي يشعر بالذعر بسبب وجود بضعة آلاف من الأشخاص الذين يقيمون في مخيمات عبر القناة في كاليه – عن “أسراب” من المهاجرين الذين يسعون إلى “دخول بريطانيا”. أين هو الكرم الذي شهدناه دائما في ترحيب البريطانيين بالمهجَّرين؟
تخميني هو أن الكرم لا يزال موجودا. إن حالة اللامبالاة الواضحة لدى كاميرون أمام صور جثث الأشخاص الذين ماتوا اختناقا في الجزء الخلفي لإحدى الشاحنات في النمسا، أو جثة الطفل الصغير الذي جرفته الأمواج إلى الشاطئ في تركيا يسيئ قراءة المزاج الوطني. يدرك البريطانيون العاديون الفرق بين اللاجئين اليائسين والمهاجرين لأسباب اقتصادية بشكل أوضح من القائد الذي يعيش في خوف من أن يتفوق عليه كارهو الأجانب.
يتحدث آخرون في أوروبا أيضا عن الحاجة إلى احترام مسألة “السيادة” على حدودها. مع ذلك، بات من الواضح لأي شخص يفكر في ذلك أن مثل هذه السيادة هي عبارة عن وهم آخر من تلك الأوهام. ليس بإمكان أي دولة منفردة إحكام السيطرة على حدودها ضد الاضطرابات التي تتجاوز حدودها.إن النوايا الحسنة، بالطبع، ليست كافية. الاستجابة للأزمة تتطلب التنظيم والموارد. إن حجم وسرعة التحرك كان يمكن أن يطغيا حتى على الاتحاد الأوروبي المستعد بشكل جيد. ترنح نظام شينجن للحدود المفتوحة بعد تعرضه للضغط. وكذلك حصل لما يسمى اتفاقية دبلن، التي تنص على أن طالبي اللجوء يجب أن يكونوا مسجلين في أول نقطة دخول لهم إلى الاتحاد الأوروبي. ما نحتاج إليه الآن هو نظام صارم وممول تمويلا جيدا على نطاق الاتحاد الأوروبي يمنح العون للاجئين في الوقت الذي يفرض فيه قيودا صارمة على الأشخاص المتاجرين بالبشر ويطبق حدودا قابلة للتحكم على أعداد المهاجرين الآخرين. لا يوجد شيء منطقي حول منح حق اللجوء لأشخاص قادمين، مثلا، من منطقة غرب البلقان، الذين تطمح بلادهم لنيل العضوية في الاتحاد الأوروبي. مع ذلك ينبغي لألمانيا أن تخرج بخطة من هذا القبيل تحديدا.لكن الأمر الذي لا بد منه هو القيادة التي تدرك أن التضامن في مثل هذه الظروف ليس فقط مجرد بعض المشاعر الغامضة من المؤيدين للتكامل الأوروبي، أو ببساطة الاستجابة المتعاطفة اللائقة لمثل هذا البؤس الإنساني الرهيب. كما أنها أيضا الرد العملي الوحيد. بإمكان القارة الكبيرة الغنية والمعمرة أن تستوعب بسهولة مثل هذا العدد من الوافدين الجدد، ومع مرور الوقت، ستستفيد كثيرا من طاقتهم وفاعليتهم. لكن العبء الأولي يجب أن يتم تقاسمه بالتساوي. لقد أظهرت ميركل مثل هذه القيادة. لا بد أن نأمل أن يشعر كاميرون والآخرون بالخزي على نحو يدفعهم إلى فعل ما تفعله ميركل.