جمال جاسم أمين
ينبغي التنويه بدءا الى ان هذه العنونة (تأويل المشكلة العراقية) كانت واحدة من مباحث كتابي الصادر حديثا (مقهى سقراط) وهو بحث في النقد السوسيوثقافي للتجربة العراقية باعتبار ان هذه التجربة مميزة من عدة وجوه بل ترقى الى مستوى الإشكال او المشكلة!. 
ما نلاحظه ان البعض من المتابعين اعتاد القفز على الواقع واستساغ ثقافة الستر والحجب والتبرير السائد ازاء كل معضلة الى درجة الاعتقاد ان وصف الراهن بالاشكالوية يبدو نوعا من انواع جلد الذات او ربما تهويل الظواهر بقصد معين، اظن ان هذا النوع من الاستعلاء على الوصف الواقعي للاشياء هو جزء من المشكلة ايضا!. يحدث هذا في الثقافات البلاغية التي توفر عدة لا بأس بها من التبريرات المضللة بحيث تصبح المقولة هي الواقع والبلاغة هي الحل!. هنا ندخل في دوامة جدل لا ينتهي وسببه الاساس هو إرجاء الواقع او تأجيله او ربما تمويهه وخلطه بسيل من الكلمات والاحاجي ولا اقول الحجج لأن الحجة تنهض دليلا كما نعتقد بينما عداها يظل محض (احجية) وألغاز تستمر وتدوم بفضل التضارب حول تفسيرها، اذن المشكلة في وصف المشكلة بدءا! في التصارح حولها، في ثقافة المكاشفة، نحن نخفق دائما في عزل ذواتنا عن الموضوع فلا ننظر للظاهرة كما هي بل نمررها عبر منظومة مصالحنا فنخسر الوصف الدقيق لها بل نخذل الواقع/ واقعها المراد وصفه اولا ثم اقتراح حلولها ثانيا.
لا يخفى ان عددا من الدارسين تصدى للإشكال العراقي/ إشكال المنظومة الاجتماعية بوصفها الحاضن الاساس لكل ما يتبعها من نظام سياسي او سياسيين هم بالضرورة افراز هذه المنظومة ولعل الراحل علي الوردي هو اول من اثار السؤال الاجتماعي بالحدة المعروفة والجدة ايضا حيث قدم انتباهات مبكرة لفهرس التصدع الذي ما زلنا نعاني آثاره، لكن الملاحظ وبعد سلسلة احداث وتجارب ان الراسب كان اعمق حتى من تنبيهات الوردي رغم اهميتها الكبرى، ومع الايام توالت التأويلات بصدد المشكلة العراقية فمنهم من ارجعها الى ظروف تاريخية او جدل فقهي ماضوي ظل ساريا حتى هذه اللحظة ومنهم من وصفها بالخلل البنيوي الذي تتداخل اسبابه بنتائجه ولعل هذا المغزى هو ما رأيناه في (مقهى سقراط) المشار له آنفا.
 ما يهمنا هنا هو التأكيد على اهمية دقة التأويل بغية الاهتداء لخطاطة حلول وفي حال العكس – اي اضطراب التأويلات وتشوهها – فاننا نشوه الطريق الى الحل ايضا!. في المهاترات الصحفية يغيب الحل كما يغيب ايضا في الجدل السياسي لأن ارتباط السياسة بالمصلحة الآنية لا يتيح لها فرصة استرخاء كافٍ او حياد او حتى ضمير وطني جمعي لا يهدر العام لصالح الخاص، بالطبع ان مثل هذه التعقيدات المرافقة لبحث المشكلات تأكل من جرف الثقة التي نتوخاها بمعنى ان اصحاب الغرض والمصلحة في مثل هذا التجاذب لا يقدمون لنا شيئا ذا بال بل هم يوهمون جمهورهم بتأويلات لا تخرج عن الاجندة السياسية لهذا الطرف او ذاك، ما يعني ان المعرفة الخالصة والفضاء الثقافي اللامسيس هو المؤهل الوحيد لتفسير وتأويل الظاهرة العراقية لكن شيئا من التعقيد يظل قائما عندما يقال ان المعرفة ذاتها ليست بريئة! وهنا ينبغي الايضاح بأن المراد وصف اجرائي وليس تأويلا فلسفيا، اذ اننا بصدد ازمات يومية تحتاج الى اعادة مداولة فهم ومفهمة الدولة اولا بوصفها مؤسسة الجميع خارج كل تصنيف ايديولوجي او نفعي. اليوم في العراق تترادف التأويلات وتتعدد بتعدد المصالح والاغراض حد الوصول الى متاهة شاسعة من الضجيج او كما يقول ادونيس (داء واحد وأدوية سيئة لا تحصى) بل كثر القول حد أن صار الكلام فائضا وفاقدا للصلاحية كما يقال بينما احداث الواقع تتسارع حد الهوس. السؤال الآن اولي وبسيط ايضا: أين المشكلة، ومن يستطيع ان يقدم تأويلا ناجعا بغية الوصول الى ملامح حل؟ اظن انه سؤال وطني كبير بدلالته، كبير بحاجتنا اليه ولكنه بسيط في الوقت عينه!. نحتاج بدءا الى افق نوايا مخلصة، أفق هدوء يخفت فيه ضجيج المنتفعين كي تتقدم البصيرة على البصر القاصر! البصيرة هي التي تحدس بينما البصر وحده غالبا ما ينشغل برؤية الطارئ والظرفي القريب الذي يموه الابعد، هذه هي المسألة! وباختصار يمكن القول: انه ليس من العيب ان نقول ثمة مشكلة بل كل العيب عندما نخفق مرارا في وصفها وترسيم حدودها بشكل واقعي ومعقول، الامر الذي سيتيح لها ان تتغول وتأخذ اكثر من حجمها الطبيعي، كل هذا طبعا بسبب اخفاقنا في الوصف والتشخيص.

التعليقات معطلة