علي حسن الفواز
روسيا الاتحادية تدخل على الخط الساخن للصراع الشرق أوسطي، وتطرح أجندتها الأمنية في سياق المفارقات التي تشهدها المنطقة، ولعل التلويح بالتدخل العسكري في سوريا هو اليافطة التي يضعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام القوى الاقليمية والدولية التي تهدد بتغيير المعادلة العسكرية والسياسية في المنطقة عبر توسيع مديات الصراع والرهان على اسقاط الرئيس السوري بشار الأسد.
الإعلان الروسي بالتدخل ضد الارهاب في سوريا، والمجاهرة بالدعم العلني للنظام السوري فاجأ الجميع، ووضع الولايات المتحدة ودول التحالف ودول الاقليم العربي أمام واقع جديد، وأمام حسابات من الصعب جدا تجاوزها، وربما ستكون مدخلا لتشكيل حسابات مضادة، وتحالفات ستسبب حرجا للرهانات الأميركية والسعودية بشكل خاص، وستكشف الكثير من الخفايا التي تقف وراء تضخم ظاهرة الارهاب في المنطقة وطبيعة الأجندات السرية التي تقف وراءها.
إصرار اميركا والسعودية على الحل الأمني، يعكس طبيعة الحمولة السياسية التي تقف وراء هذا الحل، والذي يعني لروسيا وإيران الكثير من النوايا، والتي تهدف الى تطويق روسيا وقطع الطريق على وجودها الآمن في المنطقة، والبدء بتنفيذ الأجندة الرئيسية التي تهدف الى صناعة ممرات للغاز تمر عبر العراق وسوريا الى البحر المتوسط الى اوروبا، أي تطويق روسيا اقتصاديا عبر إيجاد بدائل رخيصة من الدول الخليجية، وذلك بالتزامن مع محاولة تحجيم دور ايران الاقليمي اقتصاديا وسياسيا.
روسيا والحسابات العاقلة
السياسة فن معقد للمصالح، وهذه المصالح تتقاطع حتما مع سرديات المخيال الشعبي لبعض الدول الاقليمية!! بل أن عقلنتها هو ما يجعل هذه الدول أمام أزمتها، وتضع العلاقات الدولية في سياق أكثر فاعلة لخدمة المصالح الدولية، ومن يراهن على حسابات القوة والضعف سيجد نفسه أمام وقائع من الصعب ضبط مساراتها، وهذا ما جعل روسيا أكثر تدبرا لما يجري في المنطقة من صراعات وتخندقات، لا سيما بعد نجاح تمرير الاتفاق النووي الإيراني، والذي قابله الأميركان بوضع أجندات وأطر بدأت مع التنسيق الأميركي التركي لاستخدام قاعدة إنجرليك التركية في سياق ما يسمى عمليات (التحالف الدولي) ضد داعش، والتلويح بتقسيم سوريا على أساس أثني، والذي يعني ايجاد واقع عسكري أكثر تعقيدا في المنطقة، وأكثر تهديدا لوحدة الأراضي السورية، لا سيما مع بدء عمليات (المعارضة العسكرية) في سوريا كعملية معركة الساحل، ومحاولة ايجاد منفذ بحري يمهد لفرض وجود قوة ضاغطة في المنطقة وعلى النظام ذاته.
هذه المعطيات وضعت روسيا أمام حسابات أخرى، وأمام معطيات تتطلب موقفا حاسما، وهو ما حدث بالضبط!! إذ كان هذا الموقف بمثابة الصدمة لأميركا ولدول الخليج التي وجدت نفسها أمام واقع جديد ليس في حسابها، وربما أمام فضيحة جديدة ستنكشف فيها الكثير من الملفات التي تخص دعم هذه الدول للجماعات الارهابية، فضلا عن فضح الأسرار التي تتعلق بنوايا ما يسمى بالتحالف الدولي في مواجهة الارهاب الداعشي في سوريا والعراق وعدم ثقة روسيا بالغارات الجوية التي تقوم بها دول التحالف في المنطقة، لا سيما وأن روسيا ستكون عرضة لتهديد داخلي يتعلق بوجود الآلاف من الارهابيين من مناطق الشيشان وجمهوريات آسيا الوسطى، والذين سيكون حتما ضمن الحسابات الأميركية في المرحلة القادمة.
اهتمام روسيا بالملف الاقليمي سيكون أكثر فاعلية في المرحلة القادمة، لأنه عنوان لدور روسي قادم، ولوضع حدود للتمددات البطيئة التي تصطنعها الولايات المتحدة تحت غطاء صراعات اقليمية مفتعلة بدأت في ليبيا وامتدت الى سوريا، والموقف الذي أعلنه الرئيس بوتين أخيرا عبر التلويح بالتدخل العسكري هو انذار بضرورة مواجهة الأخطار المحتملة، لا سيما بعد تكرار تجربة ما حدث في ليبيا التي تربطها بروسيا علاقات اقتصادية وسياسية ذات بعد ستراتيجي في المنطقة.
كما أن حسابات روسيا في النظر للصراع في سوريا تتقاطع مع التعقيدات التي أخذ ينحو إليها هذا الصراع، مع عجز واضح لأي حل سياسي في الأفق، ما يعني ايجاد أرضية جامعة لكل الفصائل (المحاربة) والتي تمثل أجندات دول اقليمية، مثلما يعني عدم ربط الصراع في سوريا مع ملفات أخرى قد تكون جاهزة في الحسابات الأميركية والاقليمية مثل الملف الأوكراني والملف اليمني والملف العراقي، وحتى الملف النفطي وأسعاره المتدنية سيكون جزءا من لعبة الحسابات والحسابات المضادة..وهذا بطبيعة الحال يعني تطويل أمد الأزمة وابقاء المنطقة تحت هواجس الحرب المفتوحة، والحلول المُعطلة التي تتعرض الى التعويم والى تدخل الارادات السياسية التي تخضع لها المعارضات السورية المتعددة.ما طرحه مؤخرا جون كيري وزير الخارجية الأميركي عن امكانية التعاون مع روسيا لحل المشكلة السورية، وعن دعوة ايران لاقناع الرئيس السوري بالمشاركة بالمفاوضات حول مستقبل سوريا سيضع الجميع أمام أفق سياسي جديد سيكون أول ضحاياه هو التفريط بالدول التي اسهمت في صناعة ودعم الارهاب في المنطقة، وكذلك وضع خارطة طريق روسية أميركية ستضع قوى المعارضة السورية أمام رهانات محدودة، وتضع أيضا الجماعات الارهابية أمام واقع أمني جديد وأمام خسارات حقيقية لحلم (الدولة) وللممرات الآمنة التي كانت بعض دول المنطقة تضعها في مجال الاطمئنان الى الحلول الأمنية الاميركية الاقليمية.