ميسون الإرياني
طاهش الحوبان، بحسب الروايات الشعبية والتاريخية اليمنية هو ذلك الوحش الأسطوري الذي ذاع صيته والذي أرعب سكان مدينة تعز وغيرها من المدن القريبة، يفترس الناس بعد الغروب فلا يجرؤ أحد على الحركة خارج المدينة بعد ذلك الوقت خوفا منه لزمن معين، إلى أن دارت المعركة الملحمية بينه وبين النقيب أبو رأس والتي انتهت بانتصار الأخير وقتله لطاهش الحوبان، وحتى اليوم وبالرغم من تلاشي أسطورة طاهش، لا تزال الأمهات يخوفن صغارهن به. هناك أيضا «صياد»، أم الصبيان أو كما تسمى في بعض الدول العربية بأمنا الغولة، والتي كبرنا جميعا على سيرتها تخويفا. هكذا نشأ المواطن العربي، محملا بالخوف والقيود منذ الطفولة ..ولم يتغير الحال مع تغير الأحوال واتساع البيئة والأنظمة الضابطة لمسيرة حياته.
لطالما كان المواطن العربي أسيرا لسلطة القمع والعنف بكل أشكاله، لذلك فإنه من المثير جدا للسخرية أن نتعجب من نشوء جماعات متطرفة وإرهابية تزداد كثافة المنضمين إليها جنبا إلى جنب مع خريطة القمع والعنف في العالم العربي.
قبل أن تقوم ثورات ما يعرف بالربيع العربي كان على التنويريين أن يتساءلوا، هل الشعوب العربية قادرة فعلا على التعامل مع الحرية؟
ان الوحوش التي حبست في الأقفاص وتم ترهيبها لعقود انفتحت سريعا على مفاهيم كالديمقراطية والمواطنة والحرية والانتخابات، بالرغم من تعاطي بعض الدول معها صوريا لكن الحقيقة هي أن الإنسان العربي بشكل عام ليس أهلا لها بعد.
لذلك سينطلق نموذج بشري مثل وحش حقيقي لتعويض كل مشاعر الاحتقان والحقد والتحدي بصورة غير منظمة تصل للعنف وتخلخل منظومة القيم الأخلاقية، كما حدث في منظومة المسلمات التي تربى عليها. وهذا ما أكدته نظرية «الإحباط والتعدي», التي تحدث جون دولارد بــما يلي: «ان العدوان ينجم عن دافع يُثار عندما تحبط مساعي الفرد الموجهة نحو تحقيق هدف ما», بمعنى أن الإحباط يؤدي دائماً الى التمرّد على الواقع المرفوض وقد يكون تمردا غير مقنن أو محدد الاتجاهات السيكولوجية وأطر العلاقات والتصرفات، وفي بيئة كبيئة العالم العربي والعالم الثالث والذي يعم فيها الجهل، آل مـآل هذا التمرد إلى صورته الأبشع .
لذلك في ظل غياب الدور التنويري الحقيقي والقيادات المخلصة تحول هذا الربيع العربي إلى جحيم خالص دمر البلدان، لست طبعا ضد فكرة التغيير او ضد الثورات التي تخلص الشعوب من الطغاة كمرحلة وسلوك بشري إيجابي نحو المستقبل لكن ما حدث ولّد وحوشا حقيقية تهدد الحضارة البشرية كلها، وولّد كائنا لا يعترف بأية قيود ممكنة وإن كانت تلك القيود باتجاه إيجابي حيث خلق ذلك عند هذا الكائن فوبيا الاضطهاد الذي عانى منها مسبقا كرفض مطلق للانصياع لأي نظام كان حتى وإن في سياق الأغلبية فالمتمردون تمردوا على من تمرد قبلهم وبشكل أكثر تطرفا وحتى تم إنشاء ما يعرف بداعش وبوكوحرام وغيرها دون أن تمتلك الانظمة المنهارة أو يمتلك المواطنون أنفسهم تفسيرا لها أو خطة واضحة لمقاومتها حتى ان الحال وصل بالبعض إلى دعمها وتبريرها وذلك لخلق ثغرة لا تفوّت بالنسبة لدول الاستعمار بشكلها القديم والجديد حيث وجدت الذريعة الذهبية لإعادة استعمار العالم العربي تحت ظل حماية سيادتها وأمنها في هيئة حرب عالمية مقنعة تقودها تحالفات صورية وإن من داخل العالم العربي نفسه طبقا لتوزيع المصالح والمنح حيث تحولت الدول نفسها بعد عملية عولمة الخوف من مُصدّر إلى مكافح وهمي وقعنا إثره في الفخ.
وبالنظر إلى ما سبق يبدو واضحا بأننا بانتظار الأكثر شراسة بينما ندور في ذات حلقة الخوف والعنف والحماية المقنعة في سياق المثل اليمني «لكل طاهش ناهش» مع الاحتفاظ بخصوصية سير هذه الحلقة لكل الدول العربية المنكوبة.