نصير فليح
يوما بعد يوم تتضح اكثر فأكثر وهم العروبة والانتماء العروبي. وما مر على العراق والعرب في الاعوام الاخيرة، ولا سيما بعد عام 2003، جعل من الامر في يومنا طرفة سمجة، بل كذبة بلقاء، وعلى يد من؟ على يد اكثر من نادى بها وحرض لأجلها!.
الصراع بين عراقية العراق وعروبته قديم. وعندما سام الدكتاتور الملايين من الشعب العراقي ويلات العذاب والحروب، كان المجتمع والرأي العام الرسمي والشعبي العربي بوجه عام مساندا للطاغية، جاهلا ومتجاهلا ويلات اكثرية الشعب العراقي.
وعندما سقط الطاغية ونظامه عام 2003، قامت قيامة «الاشقاء» ولم تقعد. لم يروا، او لم يريدوا ان يروا، إلا جانبا واحدا من الموضوع، هو الاحتلال العسكري الاميركي، او صعود الشيعة الى الحكم. اما زوال نظام همجي بريري غاشم جثم على صدر الملايين، فلم يكن يعني شيئا. وهذا الزعيق والنهيق امتد من قناة الجزيرة الى الرأي الرسمي (القلق من الديمقراطية) الى شرائح شعبية واسعة الى مثقفين مأجورين او واهمين او حتى بارزين من امثال ادوارد سعيد، الذي يبدو انه لم يستطع ان يصدق ما كان يجري داخل عراق البعث. وكيف لا؟ فالجذور «القوموية» البائسة كانت موغلة التجذر، والعداء لاميركا والامبريالية يجعل ضيق الأفق لا يرى إلا هذا الجانب من المعادلة فقط، والانظمة العربية خائفة من الديمقراطية الجديدة، والفكر القوموي العروبي والاسلاموي، جعل من الكرد والشيعة ضحية مشروعة الاستبداد، صامتا عن كل ما كان يجري، فالكرد ليسوا عربا أصلا – فهم بالتالي مواطنون من الدرجة الثانية – أما الشيعة فليسوا عربا ولا مسلمين اصلا، وبالتالي تحق عليهم لعنة مزدوجة، وهم زاد مشروع لسد جوع الطغيان البعثي.
ها قد مر اكثر من عقد على ذلك، فما الذي حصل؟ فجأة صحا «الضمير الانساني» العربي الرسمي مع الربيع العربي ومع الازمة الليبية والسورية! فصار من المهم محاربة الدكتاتورية القذافية والاسدية في ليبيا وسوريا، حتى بمساعدة القوى العسكرية الغربية! فقد أصبح المهم هو الانسان ووضعه وليس الشعارات! ولم يعد كون القوات اجنبية ومحتلة امرا مهما مقارنة بالوضع الانساني للشعوب والضحايا! وصار النداء الى التدخل العسكري الاميركي والغربية معلنا بل ومطلوبا بأية وسيلة! اما حمية وغيرة الفكر العروبي والاسلاموي السعودي فتحالفا ضد اليمن، وليس ضد اسرائيل ولا أميركا ولا الغزاة الاجانب! وسوريا التي كانت تدور ضمن نفس الفلك العروبي، باتت لديها اعتبارات جديدة فجأة، فقد باتت الأولية الأخلاقية لمكافحة الارهاب، الذي صار يرى اليه وحشا حقيقيا وليس مجرد كذبة، وبات يعترف بأنه حصد ارواح الآلاف من العراقيين الابرياء في الأعوام الماضية، وانه لم يكن مقاومة مشروعة!.
المصالح من جهة، والمعاناة من جهة اخرى، هما المحركان اللذان يديران البوصلة. والمعاناة مصهر لكل الشعارات الزائفة، التي يسترخي عليها الأدعياء، فعندما صارت الانفجارات تطال الناس في تلك البلدان، باتوا يعرفون بوضوح، وهم يرون براءة الضحايا، وشواء اجسادهم، وتقطع اوصالهم، الفرق بين «المقاومة» والارهاب، هذا الفرق الذي لم يكثرثوا له مطلقا، بل مجدوه ورفعوا من مقامه، عندما كان ينهش بلحم العراقيين وحدهم، مثلما فعلت الدكتاتورية سابقا.
اذا، فالقوموية العربية، بكل شعاراتها الزائفة – هذه القوموية التي فرخت انظمة مثل جمال عبد الناصر وحكم البعث في العراق وسوريا – باتت يوما بعد يوم، تكشف عن خوائها القبيح، وتحولت بالتدريج من نجم عال يشد عيون الملايين، الى امر مشكوك فيه، ثم وهم، فخرافة، واخيرا – في الواقع العربي الممزق الحالي – الى عورة لا تسترها ورقة توت واحدة. وهذا ما سيكون من مصير الاسلاموية التكفيرية، شقيقتها التاريخية، انها مسألة زمن لا اكثر.