المستقبل العراقي/ هيفاء احمد
هل الزواج مجرد مشروع استثماري ومالي؟ وهل العلاقة بين الزوجين ما هي الا مبالغ مالية يقدمها الزوج لزوجته متخليا عن أي مسؤوليات أخرى فيما تقوم الزوجة بالدور الأسري الباقي من تربية أبناء وإدارة البيت، متحملة هذه الأعباء من منطلق المثل الرائج “ظل رجل ولا ظل حايط”.
أسر كثيرة يعيش فيها الزوج مجرد “بنك متنقل” ليس إلا، يعتبر أن مسؤوليته تتمحور حول تأمين المال، متناسيا أية أدوار أخرى له كونه شريكا وأبا، ما يؤثر ذلك على العلاقة الزوجية التي تتسم بالبرود والجفاف، وتبقى الزوجة متحملة الأعباء منفردة.
ويرى خبراء أن مصير مثل هذه العلاقات إما الانفصال أو الرضوخ، إذ يؤدي إهمال الزوج أو عدم اكتراثه بمسؤولياته الأسرية والزوجية ولا مبالاته إلى ما يسمى بـ”التصحر العاطفي”، حيث تنشأ علاقة زوجية غير سوية ولها تبعاتها السلبية على الشريكين والأطفال.
ففي علاقة سوسن خالد مع زوجها، التي مضى على زواجهما 13 عاما، حالة من الملل والبرود واللامبالاة، فزوجها يرى أن دوره الأساسي هو تحمل الاعباء الاقتصادية وتوفير المال لتوفير أي احتياجات للمنزل والابناء، لكنه في المقابل لا يتدخل بأي أمر يتعلق بالمنزل او رعاية الابناء.
والمشكلة كما تصفها سوسن هي ان زوجها لا يتدخل بحضور نشاطات ابنائه او اجتماعات المدرسة، ولا يقوم بفرض هيبته على الابناء ليشعروا بوجوده حين يقترفون اي خطأ ما يضاعف مشكلتها، فهو بين العمل والأصدقاء.
العلاقة بين سوسن وزوجها ليست جيدة، فهي لا تحمل أي مشاعر أسرية وشراكة حقيقية رغم ارتباطهم عن حب دام سنوات، فكل ذلك “تبخر” وفق قولها، فهو لا يعيش أي نشاط اجتماعي مع الاسرة.
تقول سوسن إنها حاولت محاورته بضرورة مساعدتها في أن يكون له حضور في حياة الأبناء وفي إدارة المنزل إلا أنها لا تنجح، كونه يتذرع بضيق الوقت بسبب الأعمال المتزاحمة، وكلما واجهته بتقصيره يبادر بترداد “ألا تريدون مالا أعمل لتأمين مستقبل العائلة ماديا”.
وما زاد الطين بلة، وفق قول سوسن، أن وقت الفراغ لزوجها يقضيه مع أصدقائه ما يتركها ذلك في حالة من الحزن ويدفعها للتفكير في داخلها بالانفصال.
سوسن لا تتضايق من انشغاله الدائم في العمل وتوفير النقود، بل انزعاجها يتأتى من لا مبالاته وعدم اكتراثه بالعائلة، كما أنه لا يقدر جهودها في إدارة كل شؤون الأسرة، لدرجة أنها حين تمرض لا تجد مساندة أو دورا بل لا تأخذ إجازة من دور يومي يسبب لها “احتراقا” وفق قولها.
رواء النعيمي، متزوجة منذ عامين ونصف العام، ولديها طفلة، تصف علاقتها بزوجها بأنها قائمة على “العرض والطلب”!، حيث يمضي وقته بالكامل في العمل بين وظيفته أما المساء فيمضيه في مشروعه الخاص، فلا يأتي للبيت إلا في موعد النوم، ما ينعكس على علاقتهما، حتى أنه لا يتناول الطعام في المنزل.
يتناسى زوج النعيمي حاجة زوجته للكلمة الطيبة، أو المشاركة في المسؤولية، فهي تقوم بكل الأعباء المنزلية وتحضر أغراض المنزل، وترفه عن طفلتها وتذهب للمناسبات الاجتماعية العائلية وحدها.
والأنكى من ذلك، وفق قول النعيمي، أن علاقتهما الزوجية “غير طبيعية” فهي تتزين له وتحضر اجواء رومانسية في البيت من موسيقى وطعام وشموع غير أنه يأتي البيت ولا يلتفت لكل ما تقوم به، وهي في حيرة من تصرف زوجها الذي يوفر مصروف البيت ويعطيها حاجتها من النقود لكنه: وفق قولها يقتلها بلامبالاته وبرود مشاعره.
“الزواج ليس سريرا من الورود”، بحسب التربويه هناءالسعدون، ووصول العلاقة بين الزوجين لهذا الحد من الإهمال ليس خطأ طرف واحد بل طرفين، ويجدر الانتباه للأسباب التي دفعت بالزوج للتغير، وكيف بلغت الأمور هذا الحد.
وتلفت السعدون انه في العلاقة الزوجية، بدلا من محاولة تغيير سلوك احدهم ما يدفعه للعصبية والاحساس بشعور التحكم يجب محاولة التكيف مع السلوك لكن ان يرتبط بالقدرة على التحمل فمثل هذه العلاقات تعاني من خواء وبرود عاطفي وهو امر ينعكس سلبا على كلا الطرفين.
من جهته يبين الاختصاصي النفسي والتربوي د.موسى مطر إلى أن هذه الحالات تندرج تحت “الطلاق العاطفي” من جهة وتحت “التصحر العاطفي” ايضا من جهة اخرى حيث ان الاسرة تكون بدون روح واشبه بمتجر يعيش منه الاخرون ويلبون احتياجاتهم.
ويلفت مطر للضرر النفسي الذي يلحق بالشريكين حتى بالرجل نفسه جراء التوتر والبرود بينهما، والاثر المنعكس على الاطفال ما يولد ضغطا عصبيا نتيجة عدم الاحساس بالذات والحب.
ويضيف ان كلا الطرفين يشعر بحالة من الضياع النفسي والصراع الشديد وقد يصل الى صدمة عصبية ويقود كلا الطرفين للبحث عن علاقات ومصادر لمشاعرهما خارج اطار علاقة الزواج والهرب من الواقع بعدة طرق.
ويوضح :” ان الاثر السلبي لحالة اللامبالاة من ناحية الزوج وتخليه عن مسؤولياته يترك المرأة في حالة من تدن لمفهوم الذات”.
وينوه :”إلى أن التخلي عن المسؤولية بأكملها من جانب الرجل “لا يعد امرا سلبيا بالنسبة لنساء اخريات”، ففي حين تجده بعضهن مشكلة يتركها مرهقة جسديا وعاطفيا فإن اخريات يرينه مناسبا جدا لهن، لانه “يمنحهن سيادة مطلقة في المنزل وشعورا بالامساك بزمام الامور”، فضلا عن الاعتقاد بأن “واجب الرجل تولي مهام توفير المتطلبات الاقتصادية والمادية فيما تقوم الام بالنصف الثاني وهو الرعاية والحنان والتأسيس”.
وتلفت التربوية هناء السعدون إلى أن النساء اللواتي يرضين بمثل هذا الواقع “يهربن من واقعهن ويخفين المهن حتى لا يقعن ضحية للشماتة والنميمة وامور اخرى ترتبط بواقعهن المعيشي”، مؤكدة انه ما من امرأة وعلاقة طبيعية ترغب بمثل هذا الوضع”.
وتشير إلى أن الأساس في الزواج منذ البداية أن العلاقة بين الزوجين اللذين بنيا مصيريهما على حب قد لا يكون ناضجا، وهذا بالمحصلة انعكس على علاقتيهما لأنها “نتيجة تعود احدهما على الاخر وليس مشاعر حب كما كانا يظنان”.
وعلى كلا الزوجين، بحسب السعدون، معرفة مهامه وما له وما عليه، وحين يقوم احدهما بتغيير الادوار فإن الخلل حاصل لا محالة وما من طرف يحل محل الاخر لأن الاساس في الزواج هو تشارك وتفاعل ومسؤولية مشتركة.
وحين يقرر احد الطرفين، ، الانفصال فيجب الا يؤخذ القرار في حالة من الزعل والنكد والعصبية، كون القرار مرتبطا بجميع أفراد الأسرة.
الأمر يختلف مع فوزيه جودي، المتزوجة منذ 20 عاما، فزوجها يعمل طبيبا مقيما في احد المستشفيات في بلد عربي، وهذا تركها مسؤولة تماما عن كل ما يتعلق في المنزل اما حضوره فهو مرهون بالعطل وحين يتسنى له وقت للحضور وتمضية وقت مع اسرته المكونة من 3 ابناء واربع بنات.
وتقر فوزيه ان الامر لم يكن سهلا في البداية فالمشاكل كانت وليدة لحظتها لعدم تأقلمها مع كل هذه المعوقات بين زوج غائب وابناء تربيهم وحدها حيث توجب ان تكون أما وأبا في نفس الوقت كي تنشئهم بطريقة صحيحة، لكن الظروف احيانا بحسبها تلعب دورا كبيرا في الرضوخ للواقع والتضحية خصوصا حين يكون في المقابل استقرار مادي يخفف من اعباء التوتر المستقبلية.
د. مطر يلفت إلى أن البرود بين الزوجين وحالة اللامبالاة ترتبط احيانا بافتقاد أحد الطرفين لفن التعامل مع الآخر، خصوصاً اذا كان من الشخصيات العدوانية التي تفرض حالة من الخوف من المصارحة، وكذا الشكاكة، والمتذمرة والساخرة.
إضافة الى ان هذا “الجفاف” له علاقة باختلاف بيئة الزوجين، وسنهما، وخبراتهما، وعواطفهما، ومشاعرهما، ومدى تفضيلهما العزلة والانطوائية، وغياب الزوج كثيراً عن البيت، واهمال الزوجة بنفسها وانوثتها، “ناهيك عن الرجال يختلفون في استقبال المعلومات وفي ارسال المشاعر مقارنة بالنساء، وفق مطارنة.
وتوضح السعدون ان الرجل عديم المسؤولية يظهر منذ اليوم الاول للزواج، وخيار المرأة يحدد استمرارها وقبولها لمثل هذا الوضع، واي قرار تتخذه في الاستمرار هو مرتبط بمشاعر الامومة وبالظروف المحيطة بها والمعطيات، ففي العلاقة الزوجية ما من صواب وخطأ بل معطيات وظروف، واي قرار للزوجين لا يقرره سواهما فيما النصيحة هي الوحيدة التي قد تنور لهما الطريق ليحددا ما يريدانه حقا.
وعليه فإن البرود والجفاء وكل ما يتبعه في العلاقة الزوجية يتطلب، ، من كلا الطرفين محاولة لكسر هذا الجمود والتذكر بأن المسؤوليات بينهما تتعدى توفير المادة والاستقرار، فالمشاعر هي بناء الاسرة والمحبة هي دفئها، فلا يجب ان تصبح المرأة “متسولة تبحث عن نظرة عاطفية في عيني زوجها وتستجدي اهتمامه”.