المستقبل العراقي/ هيفاء احمد
يظن البعض وخاصة أولئك الذين يشعرون بأنهم وحيدون وأغراب، أن نقل كلام المحيطين بهم وسيلة فعالة قادرة على إنقاذهم من الأوهام التي تقتحم عالمهم تدريجيا ربما لأنهم لا يجدون من يقاسمهم مرارة الحياة ويمنحهم مشاعر حقيقية صادقة ليس لها أي هدف آخر سوى أنها تريد أن تنثر في داخلهم أملا جديدا في الحياة لعلهم يتخلون عن هواجسهم التي تحاول جاهدة إقناعهم بأن لا أحد يحبهم وأن كل الأشياء من حولهم تفتقد للصدق والثقة وربما للأمان الذي يجعل لتقاربهم قيمة حقيقية.
لذا يقررون البحث عمن لديه الفضول والرغبة الشديدة في معرفة نظرة الآخر تجاهه سامحا لنفسه أن يستمع لتلك الألسنة التي تتعمد نقل كل ما من شأنه أن يؤذي الآخر ويؤلمه غير مكتفية أحيانا بنقل الكلام حرفياً، وذلك لأنها تعتبر أن اللجوء للمبالغة في تفسير الكلام المتداول وتحديدا مع من يعنيهم الأمر سيجعلها أكثر قربا للآخر، مؤكدة صدق نواياها لعلها تحظى بالمحبة التي قد تقودها إلى قلوبهم المتوجعة منتهزة الفرصة لتكوين علاقة صداقة معهم حتى لو كان ذلك لفترة وجيزة، المهم بالنسبة لها هو أن تنجح في كسر قيود الوحدة التي اختارتها هي لنفسها بدون أن تشعر. نستغرب قدرتهم على الطعن من الخلف بأكاذيبهم واتهاماتهم الملفقة التي غالبا ما تخدم أهدافهم غير المشروعة نحاول أن نجد مبررا مقنعا لكل ما يفعلونه، لكننا نصدم عندما نكتشف أن دافعهم الحقيقي وراء كل ما يتناقلونه من كلام هو حاجتهم للصداقة متجاهلين أن تصرفاتهم تلك ستزيد من حزنهم وستعمق لديهم الشعور بالوحدة أكثر.
فهم باستهتارهم وقلة وعيهم سمحوا للآخر أن يتجنبهم ويبتعد عنهم رافضا مجرد التفكير في بناء علاقة جدية معهم قد يكون ذلك لأننا نخشى كثيرا أن نعرض أنفسنا للوجع والخذلان كونهم اعتادوا أن يخونوا ثقة من حولهم غير آبهين بحجم المرارة التي سيتركونها خلفهم فقط ليبرهنوا قدرتهم على استقطاب أكبر عدد من الأصدقاء الذين قادهم القدر ليقعوا ضحية خبثهم وحقدهم وقسوتهم التي منحتهم الصلاحية الكاملة ليستبيحوا خصوصيات الآخر وآراءه الخاصة في كل المواقف التي تحدث أمامه والتي تستفزه ليقرر بعد ذلك أن يتكلم ويبوح بأدق التفاصيل التي يعتقد أنها من المستحيل أن تصبح دليل إدانة يستخدم ضده. متجاوزين بذلك الثقة التي من شأنها أن تردعهم أو على الأقل تجعلهم يلمسون صدقه معهم محاولا إشعارهم بمدى احتياجه لأحد يبادله القيم والمشاعر نفسها وربما أيضا الأمان الذي قد نخسرهم نهائيا بمجرد أن يفكروا بالتخلي عنا سامحين لأنفسهم بكشف أوراقنا التي لم نتوقع أبدا أن يتخذوا منها وسيلة تعينهم على اختراق قلوب أشخاص جدد آن الأوان ليؤذوها بكل مشاعر باردة تأبى أن تحن ولو قليلا.
شروعهم في تشويه صورة أولئك الذين لم يشككوا لحظة واحدة بمحبتهم الصادقة لهم أو بالأحرى همومهم بأنها صادقة حقيقية مجردة من أي مصلحة يجعلهم يفكرون بالمواجهة الأنيقة التي تعتمد أساسا على الاعتراف بما نحمله لهم من محبة واحترام وتقدير فاتحين المجال أمامهم ليدافعوا عن أنفسهم لسبب وحيد وهو أنه من الممكن جدا أن يكون كل ما وصل إلى مسامعنا عبارة عن مكائد حيكت من أجل الإيقاع بيننا وبين من نحب، فنحن نعلم جيدا أن كل ما يتم تناقله وتداوله ليس بالضرورة أن يكون هو ما حدث حقا فهناك احتمالات وسيناريوهات كثيرة نجهلها وربما لا نفكر فيها أصلا لأننا نستبعد سوء نواياهم ودوافعهم التي يحاولون بشتى الطرق إخفاءها ليستطيعوا دائما تبرئة أنفسهم من كل ما ينسب إليهم والظهور في أجمل صورة قد يكون ذلك لأنهم يجيدون قلب الحقائق وتجييرها لصالحهم لدرجة أنهم قد يدعون الألم ليفلتوا من كل الاتهامات التي توجه ضدهم ليبقوا في أعين الآخرين صفحة بيضاء نقية لا يشوبها الخبث.