سميح صعب
لا يجد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لاحتواء الهبة الفلسطينية الجارية حاليا في الضفة الغربية والقدس وعلى حدود قطاع غزة، سوى اللجوء الى تزوير التاريخ فيذهب في حملته على الشعب الفلسطيني الى حد اتهام المفتي الراحل الحاج امين الحسيني بأنه هو من حرض هتلر على المحرقة. لكن الاستنكار الفلسطيني والدولي الذي قوبل به هذا الاتهام جعل نتنياهو يسارع الى التراجع.
وبمعزل عن هذا التراجع، يدل الاتهام على حالة التخبط السياسي والامني التي تعيشها اسرائيل من جراء الهبة الفلسطينية التي اتت في معظمها بشكل عفوي ردا على تمادي اسرائيل في انتهاك حرمة المسجد الاقصى وتضييقها على الفلسطينيين في القدس الشرقية استكمالا لمخطط تهويدها فضلا عن الاستمرار في حصارها الخانق على الحياة اليومية للفلسطينيين في مدن الضفة وقراها وانسداد الافق السياسي عموما امام حصول أي تقدم في عملية السلام لا سيما بعد تخلي الولايات المتحدة عن بذل أي جهد في هذا الاتجاه كي لا تثير غضب نتنياهو والانتخابات الرئاسية الاميركية على الابواب.
ولا يعدو اجتماع وزير الخارجية الاميركي جون كيري برئيس الوزراء الاسرائيلي في برلين، سوى محاولة ملطفة من واشنطن لاقناع الحكومة الاسرائيلية بتخفيف اجراءاتها القمعية ضد الفلسطينيين والامتناع عن استفزازهم خصوصا في ما يتعلق بالانتهاكات المتكررة من قبل وزراء اسرائيليين متشددين ومستوطنين لباحات الحرم القدسي او في ما يتعلق باجراءات عزل الاحياء الفلسطينية بالقدس بواسطة مكعبات اسمنتية من شأنها مضاعفة معاناة الفلسطينيين اليومية لكنها لن تكسر ارادتهم.
ولا يزال نتنياهو يعالج الموقف باعتماد سياسة الهروب الى الامام، فهو مثلا يتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأنه المتسبب في الهبة التي تشهدها الضفة الغربية والقدس الشرقية. لماذا؟ لأن عباس لا يزال يطالب بدولة فلسطينية مستقلة ويسعى، بعد توقف المفاوضات، الى تحقيق هذا الهدف من طريق الهيئات الدولية وفي مقدمها الامم المتحدة. ولم يسمع احد عباس ينادي يوما بمقاومة اسرائيل بالسلاح او بالسكاكين او حتى بالحجارة. لكن هذا لا يشفع للرئيس الفلسطيني عند نتنياهو الذي يريد من عباس ان يقف حارسا على المستوطنات اليهودية، ويريده ان يقمع كل فلسطيني يحمل سكينا او حجرا، ويريده ان يكف عن المطالبة بدولة فلسطينية مستقلة وبزوال الاحتلال او التنديد بانتهاك الحرم القدسي او بحرمان الاسرى الفلسطينيين من ابسط حقوقهم في الاحتجاج على استمرار اعتقالهم الاداري من دون اي وجه حق، على رغم من ان احتجاجات الاسرى تتمثل في الاضراب عن الطعام.
ببساطة، يريد نتنياهو من عباس ان يقمع الفلسطينيين وان يقنعهم بعدم جدوى قيام دولة فلسطينية وان عليهم القبول بالاحتلال ، كأمر واقع لا مفر منه وذلك من اجل أمن اسرائيل. واذا لم يتجاوب عباس مع مطالب نتنياهو، فهو في نظره عندها مساوٍ لتنظيم «داعش» الارهابي. وهذه قمة الغطرسة والصلف الاسرائيليين في مواجهة المطالب المحقة والمشروعة للشعب الفلسطيني.
وإذا كانت سياسة اسرائيل القائمة منذ احتلالها للقدس الشرقية والضفة الغربية وغزة عام 1967، قائمة على خلق امر واقع جديد على الفلسطينيين عن طريق الاستيطان واستمرار الاحتلال والقمع الدامي والاعتقالات، فإن ابسط ما يتعين على اسرائيل ان تتوقعه هو ان يرفض الفلسطينيون ذلك وان يتمسكوا بجلاء الاحتلال وبالوصول الى تحقيق مطالبهم الوطنية المشروعة واولها قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة.
ويبدو ان اسرائيل لم تتعلم شيئا من دروس الانتفاضة الاولى عام 1987 والانتفاضة الثانية عام 2000 ، وهي ان ما يدفع الفلسطينيين الى الانتفاض في وجه الاحتلال، هو اليأس في الدرجة الاولى قبل أي أمر آخر. والفلسطينيون ليسوا في حاجة الى من يحرضهم على الانتفاض لأن ممارسات اسرائيل نفسها تكفي كي تحرك الشعب الفلسطيني تلقائيا ضدها.
وما اتهام نتنياهو لعباس او غيره من المسؤولين الفلسطينيين بالتحريض على الكراهية لاسرائيل، سوى محاولة لتجاهل الواقع والقفز فوقه ومحاولة لابتزاز المسؤولين الفلسطينيين من خلال دفعهم الى قمع المنتفضين والحيلولة دون انفجار شامل في الاراضي الفلسطينية وما سيترتب على هذه الانفجار من اثمان سياسية سيتعين على اسرائيل دفعها بينما هي تريد في الوقع دواما للاحتلال بلا كلفة. وهذا ما تسعى اسرائيل الى تجنبه في كل مرة تندلع فيه انتفاضة في وجهها.