فيليب ستيفنز
من الدقّة أكثر وصف الأمر بأنه ذعر وليس مؤامرة. في الأسبوع الماضي، قضيت وقتا برفقة أعضاء في الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تنتمي إليه أنجيلا ميركل. الأمر المُذهل بالنسبة لأي شخص من الخارج، هو أن المحادثات تحوّلت إلى ما إذا كانت المستشارة الألمانية ستنجو من أزمة اللاجئين. بعضهم يعتقد أنها لا تملك سوى أسابيع فقط لتغيير الأمور. لا عليك من أنها أمس فقط تفوّقت على أي زعيم أوروبي آخر. بين ليلة وضحاها الأمر الذي لا يُمكن تصوّره يُصبح معقولاً – وبالنسبة إلى بعض المنتمين لحزبها يُصبح محتملاً. أصوات أخرى تقول “إن الحمى ستهدأ”، لكن نقاط ضعف ميركل تشير إلى التشنّجات في كافة أنحاء أوروبا، الناتجة عن موجة اللاجئين من سورية والعراق وأفغانستان ودول المغرب العربي والساحل الإفريقي. في الجزء الشرقي ما بعد الشيوعية من القارة، التدفّق عزّز سلطة القوميين العِرقيين الذين لم يقتنعوا أبداً بفكرة الديمقراطية الليبرالية.
إلى الغرب، هذا عزّز حظوظ المُنحازين، مثل حزب الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان في فرنسا. اجتماعات حزب بيجيدا اليميني المُتطرّف في ألمانيا تتميّز الآن بمتحدّثين يتحدثون بحسرة عن غياب معسكرات الاعتقال. إذا خسر ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، استفتاءه لإبقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي، فسيكون ذلك لأن المشاعر بشأن الهجرة تتغلب على المصلحة الذاتية الاقتصادية.
نادراً ما كانت توصف ميركل بأنها سياسية تعمل وفق معتقدات ثابتة. طول فترة تولّيها المنصب كان بسبب مهارتها في العثور على نقطة توازن طبيعية في المزاج الوطني الألماني ـ وينبغي القول قسوتها في إبعاد المنافسين المُحتملين. الصفات التي في أغلب الأحيان تُطبَّق على أسلوبها في القيادة، أحياناً مع قدر ليس يسيرا من الشعور بالإحباط، كانت الحذر وإمكانية التداول والموافقة بالتراضي.
ماما ميركل، أو “موتي” كما توصف غالباً، نجحت من خلال طمأنة مواطنيها أنها ستحمي ألمانيا من الحرائق التي تشتعل خارج حدودها. هم ليسوا بحاجة إلى القلق بشأن تفاصيل السياسة. يُمكن أن يتأكد الألمان أنها ستكون صارمة، لكن هادئة في الوقوف في وجه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وعلى الرغم من أنها مُلتزمة بمستقبل اليورو، إلا أنها ستكون وصيا حذرا على الموارد المالية للبلاد. لمدة عشرة أعوام كان الألمان يثقون بها.
كذلك عرضت المهارات نفسها في أوروبا. أولئك الذين يراقبونها وهي تشغِّل قِمم زعماء الاتحاد الأوروبي يندهشون من قدرتها على التوصل إلى إجماع الآراء بسبل غير رسمية. محادثة غير رسمية مع رئيس الوزراء هذا، أو التوصّل إلى صفقة أثناء تناول فنجان سريع من القهوة مع ذلك الرئيس، أو التعامل بودّ مع المسؤولين الذين يسعون إلى إيجاد أرضية مشتركة. دائماً ما كانت ميركل تؤكّد على المصالح الألمانية، لكن بالتراضي وليس المواجهة.
إلا أن أزمة اللاجئين أبرزت ميركل مختلفة: زعيمة مستعدة للتحدث عن قناعاتها، والتصرف بناءً عليها، وللخروج من الغرفة السرية لمجموعات التركيز واستطلاعات الرأي. قرارها باستقبال مئات الآلاف الذين يشقّون طريقهم عبر منطقة البلقان يبدو منطقياً أكثر مما يسمح به مُعارضوها. هل كان بإمكان ألمانيا فعلاً أن تبني الأسوار وتنشر الجنود لحراستها؟ هل يُمكن أن تستأجر قطارات لإعادتهم إلى الشرق الأوسط المُشتعل؟ لكن في ردّها كانت هناك العاطفة فضلاً عن العقل.
يقول أصدقائي في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي “لا بأس، في ذلك الكفاية”. نعم، ترحيبها باللاجئين في البداية استحوذ على المزاج الوطني. لكن الأعداد الهائلة – تتوقع ألمانيا أكثر من مليون وافد هذا العام – غيّرت الحسابات. المُدن والقرى امتلأت بالوافدين. وبهذا الجرح، القاتل المُحتمل للمستشارة، زاد الإحساس بأنها فقدت السيطرة التي تعد العنصر الأكثر أهمية. لا يتوقّف السياسيون أبدا عن النظر إلى تصنيفاتهم في استطلاعات الرأي، وتصنيفات حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي انخفضت بشكل حاد. لا يوجد مُرشّح واضح ليحلّ محلّها، لكن فولفجانج شويبله، وزير المالية، تقدّم باعتباره بديلا مؤقتا حتى يتم اختيار مُرشح لخوض انتخابات عام 2017. شويبله كان هادئاً بشكل غريب في الآونة الأخيرة.
وراء الحسابات الأنانية يكمُن خوف أعمق. الأحزاب الوسطية في جميع أنحاء أوروبا استسلمت للشعبويين من اليسار واليمين، لأن ناخبيهم شعروا بالخوف أنه لم يعُد بإمكانهم توفير الأمن. لكن ألمانيا، على الرغم من سوء حزب بيجيدا الصغير، شهدت الأحزاب الوسطية تتولى السلطة. الآن، فيما يتعلّق بقضية يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها قضية تتعلّق بالهوية الثقافية، هل يُمكن القول إن ميركل فقدت السيطرة؟
أعتقد أن الجواب لا، لكن عندما يقع السياسيون ضحية الذعر فأي شيء مُمكن. شاهدتُ عن قرب كيف رُفِضت واستُبعِدت مارجريت تاتشر من قبل حزبها، وهي زعيمة قوية أخرى كانت تبدو لا تُقهر حتى لحظة سقوطها. هي أيضاً حققت ثلاتة انتصارات انتخابية. وعلى الرغم من عدم شعبيتها العميقة بحلول عام 1990، إلا أنه حتى حدث ما حدث لم يكُن مُتصوّراً أن زملاءها يُمكن أن يتحوّلوا ضدها بمثل تلك الضراوة. لكن المخاطر أعلى بكثير بالنسبة إلى ميركل. الأزمة المالية وأزمة اليورو وانهيار اتفاق الحدود المفتوحة لمنطقة شينجن كلها تعمل على تفكيك أوروبا في وقت تكافح فيه الأحزاب الوسطية في أنحاء القارة لمواجهة تحدّي الشعبويين. ووسط ذلك كانت ميركل بمثابة حجر اليقين – الزعيمة التي تملك السلطة لمواصلة العمل. وبدونها، التصدعات ستتضاعف.
شويبله أيضاً من المؤيدين للتكامل الأوروبي، وفي بعض النواحي يؤيّد الاندماج بالتزام أكبر. لكن ميركل كانت الوصي على تسوية ما بعد عام 1989 التي رسّخت جذور ألمانيا أوروبية. وإزاحتها من شأنها أن تجعل هذه الوصاية تنتقل إلى مجموعة أولئك الذين استنفدتهم الحسابات الأضيق والمصالح الأكثر آنية، وبالتالي التخلّي عن المُثل الأعلى لألمانيا أوروبية. وهذا من شأنه أن يكون بداية النهاية.