بعد أربعة أعوام على تخرج نضال عطا ونيله شهادة المحاسبة، ما يزال حبيس المنزل دون عمل، لأنه لا يجد “الفرصة التي تليق به كطالب جامعي”.
عطا يعتبر أن عليه أن ينتقي عملا مناسبا له ولوضعه الاجتماعي ولا يمكن أن يعمل في أي مهنة، مبيناً أنه أنهى جامعته ونال الشهادة الجامعية وبذلك يستحق أن يعمل في وظيفة مهمة تليق بشهادته وتعبه طوال سنين الجامعة.
يقول عطا “عرضت علي فرص للعمل محاسب “كاشير” في أحد المطاعم والمتاجر”، رائيا أن تلك الوظائف “لا ترتقي لطموحه ولا تتناسب مع شهادته”، من وجهة نظره، لذلك فهو يرفض أي عرض من هذا القبيل.
عطا يفضل المكوث بالبيت على أن يعمل أي عمل حتى لو طال انتظاره!
ولعل نضال ليس الشاب الوحيد الذي يرفض أن يعمل في أي مهنة بل يهتم في البحث عن صورته الاجتماعية ومنظره أمام الناس للعمل فيما يتناسب مع مؤهله العلمي، فهناك ايضا معاذ أسعد هو شاب آخر منذ أن تخرج من الجامعة أتيحت له الكثير من فرص العمل ليبدأ بها بداية عملية ومن ثم تتم ترقيته الا أنه رفض كونه مقتنعا أنه لا بد من أن يبدأ بمهنة تليق به منذ بداية مشواره ويستمر بها وبعدها ينتقل الى الأعلى منها.
الآن مر على جلوس معاذ في المنزل 7 سنوات دون عمل، فهو يرفض أن يعمل في أي مهنة ويبحث عن وظيفة معينة، مبيناً أنه لا يمكن أن يمتهن أي عمل فهو لا يحتمل أن يتلقى أوامر من أحد الى جانب أن هناك معايير اجتماعية كثيرة تحكمه ولا يمكن أن يغض النظر عنها، وفق قوله.
أسعد الآن وبعد مرور كل هذه السنوات اعتاد الجلوس بدون عمل وبات التفكير في الاستيقاظ باكراً والخروج للعمل أمرا صعبا جداً بالنسبة له فقد ألف روتين الحياة الذي يعيشه وتأقلم معه، وفق قوله.
وكانت منظمة العمل الدولية قدرت ارتفاع معدل البطالة وأشارت المنظمة في تقرير أصدرته الى ان معدل البطالة “يزيد على معدل البطالة في الشرق الأوسط البالغ 27 % تقريبا”.
وحمّل التقرير أسباب الارتفاع إلى “انعدام الوظائف بسبب قلة المشاريع الجديدة التي تُعد نَتَاجًا للوضع الاقتصادي”، الاختصاصي الاجتماعي د.عبد المنعم صبيح يرى أن هناك علاقة بين هذا النوع من التفضيلات في العمل وأنماط التنشئة الاجتماعية التي تتلقى في الأسر.
ويتابع كثيرا ما يغرس الآباء والأهل في وجدان الشاب معايير متقدمة أو مبالغا فيها أحيانا لطبيعة العمل أو الفرص التي تنتظر هذا الشاب من جهة، ومن جهة أخرى لا يحرص الأبوان عادة على اكساب الشباب من الجنسين غالباً مهارات العمل داخل حدود المنزل، وبالتالي يصبح الشاب أسيراً لمفاهيم نظرية مبالغ فيها عادة، دون أن يكسب المهارات الأدائية والانتاجية للعمل نفسه.
وبالتالي فإن ذلك يجعل الخريج أو الباحث عن العمل ونتيجة لطول مدة الإعالة من قبل الأهل والوالدين، وفق صبيح، متحفظا على أن يعمل بالمتاح من فرص العمل استناداً الى نمط التنشئة من جهة ووجود مصدر للتمويل والانفاق من جهة أخرى.
بالإضافة الى أن تفضيلات الأهل أنفسهم قائمة على فكرة أن الأبناء يجب أن يحظوا على فرصة عمل نوعية وان لم يكن مؤهلاً لذلك.
ويشير صبيح الى أن العديد من الشباب يتبوأ مواقع بالواسطة أو التوريث السياسي أو بطرق ليست قائمة على أساس الكفاءة والمنافسة، الأمر الذي عمق أمام شبابنا بعض المفاهيم، وعليه فإن هذه العوامل المجتمعية تجعل الشاب يفضل نوعا معينا من العمل المكتبي مع ملاحظة تدني الرواتب وارتفاع البطالة.
ويضيف أنه لا بد من تعديل أنماط التنشئة الأسرية بدءا من الأسرة وتكاملاً مع بقية المؤسسات، والقيام بحملة توعية بالفرص المتاحة وأهمية العمل كقيمة انسانية.
الى جانب تشكيل جماعات ضغط على الحكومة لتقليص أعداد العمالة الوافدة من جهة واعطاء الشباب الطامح فرصة لإشغال المهن المتاحة من جهة مع امتيازات مادية وضمانات حياتية ولو لبضع سنوات لا عادة التوازن في سوق العمل.
من جانبه يرى الاختصاصي النفسي د.خليل العبيدي أن ما يحدث هو شيء مركب كون ثقافة العيب هي السائدة، منوها إلى أن كما كبيرا من الوظائف المتاحة تدخل في ثقافة العيب “غير منطقية أبداً وهناك مبالغة فيها”، مبينا أن السيكولوجية العراقية ماتزال “تعتقد في التمييز دون انجاز اما لأصل أو فصل أو أب أو عشيرة يبحثون عن أي شيء ليكونوا متميزين”.
ويشير د. عبد المنعم صبيح : الى أن الشعور بالتميز دون انتاج هو “كارثة” كون الشخص وقتها يكتفي بذاته وأهله وأصله، وخصوصاً أن فكرة المعيشة لديهم فيها بدائل وهم الأهل.
وبالتالي هناك تشجيع من الأهل على تثبيت ثقافة العيب وهذه “ميزة غير حضارية” في المجتمع العراقي ، مبينا أن المجتمعات الحضارية تثبت قيمة العمل كقيمة عليا والعكس هو ما يحدث في الأردن.
ويضيف أن النظام ساعد على ذلك بأن تكون دولة ريعية والأهل أكدوا على الأمر كونها باتت هذه ثقافتهم وهو على عكس ما يحدث في الدول المجاورة.
ويذهب الاستشاري الأسري أحمد عبدالله الى أن التنشئة الاسرية عامل رئيسي في اختيار مهنة المستقبل ومقدار تقبلها لدى الأبناء، فعملية الازدراء أو التقدير التي يمارسها الاهل على مسمع الابناء منذ الطفولة تشكل لديهم صورة نمطية عن المهنة المستقبلية، لهذا من الضروري الانتباه لما يتصرفه الأهل أمام ابنائهم عن ذوي المهن المختلفة.
الأمر الثاني، وفق عبدالله، هو الربط الذي يقوم به الأهل ما بين المال والوظيفة، وذلك من خلال إظهار الإعجاب والاحترام لبعض المهن التي تأتي بالمال الوفير، فينشأ الأبناء لا على أن المهنة تتناسب معه أم لا بل ينشؤون على مقدار المال الذي يأتي من المهنة ومن هنا تتشكل الثقافة الخاصة بالمهن.
لاختيار مهنة صحيحة نحتاج، بحسب عبدالله، لجو أسري سليم خال من الازدراء وخال من السخرية بل ويجب إظهار الاحترام للمهن المختلفة.