حافظ البرغوثي
كتبنا بتاريخ السابع عشر من سبتمبر/أيلول الماضي مقالاً بعنوان «نتنياهو يفتح معركة لتهويد القدس» فبعد الاتفاق النووي الدولي مع إيران سارع نتنياهو آنذاك إلى العمل تحت ستار غضبه من الاتفاق لتحقيق هدفه النهائي وهو إحكام سيطرة الاحتلال على القدس وخاصة المسجد الأقصى «وكأنه يكافئ نفسه مقابل الاتفاق النووي الذي اعتبره خطراً على «إسرائيل» وهو هنا ينطلق من فكرة تدفيع الثمن التي تنتهجها الجماعات الإرهابية في الضفة الغربية، فإن ساءها تصريح دولي ضد الاستيطان سارعت إلى القيام بعمليات ضد الفلسطينيين لحرق منازل ومساجد أو الاستيلاء على المزيد من الأراضي وإقامة بؤر استيطانية.
ولذلك سارع نتنياهو بالعقلية الاستيطانية نفسها إلى تدفيع أهل القدس ثمن الاتفاق النووي، لعلمه أن الإدارة الأمريكية لن تحرك ساكناً ضده بل تعمد إلى الدفاع عن سياساته في السنة الانتخابية الرئاسية الميتة سياسياً.
وقد صعّدت حكومة الاحتلال من إجراءاتها في القدس تدريجياً خلال السنوات الأخيرة ووصلت ذروتها في الشهور الأخيرة لجني مكاسب على الأرض وخلق وقائع جديدة في المدينة بهدف دفع المقدسيين إلى الحائط وإجبارهم على التمرد على سياساته القمعية التي طالت المسجد الأقصى، واتخذ إجراءات قمعية جديدة داخل المدينة عرقلت حياة المقدسيين وجعلتهم هدفاً سهلاً مستباحاً للمستوطنين وقوات الاحتلال، وفصل بين الحارات والأحياء العربية بالحواجز والتفتيش والمكعبات الإسمنتية والجدران لمنع التواصل بين السكان أو قيام مظاهرات احتجاجية في المدينة، وتوج إجراءاته هذه بالحديث عن طرد المقدسيين الذين يقاومون الاحتلال إلى خارج المدينة ثم إخراج سكان أحياء شعفاط وكفر عقب من الخريطة السكانية للمدينة، بمعنى سحب حقوق المواطنة المقدسية عن قرابة مئة ألف مقدسي يعيشون خارج جدار الفصل العنصري في إطار سياسة جديدة للتطهير العرقي لإفراغ المدينة من سكانها.
وكلنا نعلم أن الكيان الصهيوني تأسس على مبدأ التطهير العرقي منذ البدء في العام 1948 واستمرت سياسة التطهير العرقي حتى بعد ذلك على مرحلتين، الأولى حتى عام 1954 حيث جرى طرد سكان القرى الباقية في الجليل من قراهم وحشرهم في قرى أخرى، والثانية إبان الحكم العسكري الذي فرض على التجمعات السكانية العربية في الجليل والمثلث والنقب.
ولعل كتاب المؤرخ «الإسرائيلي» ايلان بابي بعنوان «التطهير العرقي في فلسطين»، هو أكثر الكتب شمولاً حول هذا الموضوع لأنه تناول التطهير العرقي على مدى سبعين سنة، حيث يؤكد بابي أن التطهير العرقي كان مخططاً له سلفاً وعبر شبكة مترابطة وقوانين صارمة وواضحة «ليصل إلى اعتبار ما مارسته «إسرائيل» ضد الفلسطينيين بمثابة إبادة، حيث وضع بن غوريون خطة التطهير والتهجير التي شملت 800 ألف فلسطيني تحت وابل من الهجمات والقصف والتدمير لإجبارهم على الهجرة، وجرى تدمير 531 قرية وإخلاء 18 حياً سكنياً في المدن.
الآن يركز نتنياهو على القدس، حيث رفعت برامج الاستيطان المتوالية عدد اليهود في شرق المدينة إلى العدد نفسه للعرب لكن عدد العرب لم يتناقص رغم سياسات سحب الهويات والتضييق الاقتصادي عليهم ومنع البناء وندرة المساكن وإثقال كاهلهم بالضرائب. ولهذا استغل نتنياهو الظروف الحالية ليلقي باقتراح إخراج مئة ألف من السكان من حدود المدينة ليجس نبض ردود الفعل على اقتراحه مبدئياً وهو مصمم عليها وسيواصل العمل على تنفيذها.
فقد كانت فكرة دخول اليهود كمجموعات إلى المسجد الأقصى قبل عقد من الزمن فكرة جنونية لكنها الآن باتت تتم بسهولة، ففي السابق كان هناك فتوى يهودية بتحريم دخول ساحات المسجد لكن هذه الفتوى ألغيت لأسباب استيطانية بهدف الاستيلاء على المسجد وهدمه، واستغلت حكومة الاحتلال الظروف الحالية لإحكام سيطرتها على المسجد وجاء الوزير الأمريكي جون كيري لنجدتها تحت ستار الحل الوسط بأن اقترح تركيب كاميرات لمراقبة حركة الدخول إلى المسجد، وهي فكرة تجرعها الأردن على مضض لأن الوزير كيري لم يأت بجديد في أفكاره التي عرضها في عمان بل نقل أفكار نتنياهو في اجتماعهما في برلين. وسبق ل«إسرائيل» أن عرضت الأفكار نفسها على الأردن عن طريق سفيرها في «تل أبيب» لكن الأردن رفضها، لأن نتنياهو سارع إلى الاحتفاظ بحقه في نصب الكاميرات ومنع الأوقاف التابعة للأردن من نصبها، بينما كانت الأوقاف تعتبر ذلك من حقها وتستعد لنصب كاميرات من قبلها.. فاقتراح كيري -نتنياهو يعني أن كيري أشرك نتنياهو في السيطرة على المسجد الشريف، وهو بذلك حقق ما يريده الاحتلال لأن من عادة «الإسرائيليين» أن ينفذوا في أي تفاهم أو اتفاق ما يخدم مصلحتهم ويتنصلون مما لا يريدونه.. لذا من المرجح أن الأردن سيتراجع عن أفكار كيري طالما سمحت للاحتلال بالتدخل السافر في شؤون المسجد داخلياً واستثنت بقية الوقف الإسلامي في القدس من رعايته. فمعركة القدس التي افتتحها نتنياهو تبدو في بدايتها وليس في نهايتها لأن الهدف هو تهويد المدينة بالكامل وإحكام السيطرة عليها وعلى الحرم القدسي الشريف وممارسة التطهير العرقي. وفي غياب موقف عربي داعم للأردن والسلطة الفلسطينية يبدو أن العد التنازلي للتهويد قد بدأ وأن هدم الحرم القدسي مسألة وقت.